ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
49
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
فصل ( عدم تنازع الصحابة في آيات الصفات ) تنازع الناس في كثير من الأحكام ، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد ، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها ، وهذا يدل على أنها أعظم النوعين بيانا وأن العناية ببيانها أهم ، لأنها من تمام تحقيق الشهادتين ، وإثباتها من لوازم التوحيد . فبيّنها اللّه سبحانه وتعالى ورسوله بيانا شافيا لا يقع فيه لبس يوقع الراسخين في العلم . وآيات الأحكام لا يكاد يفهم معانيها إلا الخاصة من الناس . وأما آيات الصفات فيشترك في فهم معناها الخاص والعام ، أعنى فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية . ولهذا أشكل على بعض الصحابة قوله تعالى : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ( البقرة : 178 ) . حتى يبين لهم بقوله مِنَ الْفَجْرِ ولم يشكل عليه ولا على غيره قوله وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ . . . الآية ( البقرة : 186 ) وغيرها من آيات الصفات . وأيضا فإن آيات الأحكام مجملة عرف بيانها بالسنة كقوله تعالى : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ( البقرة : 196 ) فهذا مجمل في قدر الصيام والإطعام ، فبينته السنة بأنه صيام ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة « 1 » . ونظائره كثيرة كآية السرقة وآية الصلاة والزكاة والحج . وليس في آيات الصفات وأحاديثها مجمل يحتاج إلى بيان من خارج ، بل بيانها فيها وإن جاءت السنة بزيادة في البيان والتفصيل .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الحج / 2 : 80 ) من حديث كعب بن عجرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقف عليه ورأسه يتهافت قملا ، فقال : « أيؤذيك هوامك ؟ » قلت : نعم ، قال : « فاحلق رأسك » قال : ففيّ نزلت هذه الآية : فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق أو انسك ما تيسر لك » .