ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
44
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين . وهذا مما ينبغي التنبه له ؛ فإنه حصل بسببه من الكذب على اللّه ورسوله ما حصل ، كما تأولت طائفة قوله تعالى فَلَمَّا أَفَلَ بالحركة . وقالوا : استدل بحركته على بطلان ربوبيته ، ولا يعرف في لغة العرب التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة في موضع واحد البتة . وكذلك تأويل الأحد بأنه الذي لا يتميز منه عن شيء البتة . ثم قالوا : لو كان فوق العرش لم يكن أحدا ؛ فإن تأويل الأحد بهذا المعنى لا يعرفه أحد من العرب ولا أهل اللغة ؛ إنما هو اصطلاح الجهمية والفلاسفة والمعتزلة ومن رافقهم . وكتأويل قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ( الأعراف : 54 ) بأن المعنى أقبل على خلق العرش ؛ فإن هذا لا يعرف في لغة العرب ولا غيرها من الأمم ، لا يقال لمن أقبل على الرحل استوى عليه ، ولا لمن أقبل على عمل من الأعمال من قراءة أو دراسة أو كتابة أو صناعة قد استوى عليها ، وهذا التأويل باطل من وجوه كثيرة سنذكرها بعد إن شاء اللّه تعالى ، لو لم يكن منها إلا تكذيب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لصاحب هذا التأويل لكفاه . فإنه ثبت في « الصحيح » « إن اللّه قدّر مقادير الخلائق قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وعرشه على الماء » « 1 » فكان العرش موجودا قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة . فكيف يقال إنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم أقبل على خلق العرش ؟ والتأويل إذا تضمن تكذيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم فحسبه ذلك بطلانا . ( الخامس ) ما ألف استعماله في غير ذلك المعني لكن في غير التركيب الذي ورد النص ؛ فيحمله المتأول في هذا التركيب الذي لا يحتمله على مجيئه في تركيب آخر كتأويل اليدين في قوله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ( ص : 75 ) . بالنعمة ، ولا ريب أن العرب تقول : لفلان عندي يد . وقال
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( القدر / 2653 ) من حديث عبد اللّه بن عمرو وأوله : « كتب اللّه مقادير الخلائق » .