ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

152

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

الملل ، ومن أراد معرفة ذلك فليقف على مقالاتهم في كتب أهل المقالات ، « كالمقالات الكبرى » للأشعرى ، « والآراء والديانات » للنوبختي ، وغير ذلك . وأما المتكلمون فاضطرابهم في هذا الباب من أشد اضطراب . فتأمل اضطراب فرق الشيعة والخوارج والمعتزلة وطوائف أهل الكلام ، وكل منهم يدعي أن صريح العقل معه ، وأن مخالفه قد خرج عن صريح العقل ، ونحن نصدق جميعهم ، ونبطل عقل كل فرقهم بعقل الأخرى ثم نقول للجميع : بعقل من منكم يوزن كلام اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ؟ فما وافقه قبل وأقر عليه ، وما خالفه أول أو فوّض إلى عقولكم : أعقل أرسطو وشيعته : أم عقل أفلاطون أم فيثاغورس ، أم بقراط ، أم الفارابي ، أم ابن سينا ، أم محمد بن زكريا ، أم ثابت بن قرة ، أم جهم بن صفوان « 1 » ، أم النظام « 2 » ، أم العلاف ، أم الجبائي ، أم بشر المريسي ، أم الإسكافي ؟

--> ( 1 ) جهم بن صفوان : وإليه تنسب الجهمية ، الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلها ، وزعم أن الجنة والنار تفنيان وتبيدان ، وزعم أيضا أن الإيمان هو المعرفة باللّه فقط ، وأن الكفر هو الجهل به فقط ، وقال : لا فعل ولا عمل لأحد غير اللّه تعالين ، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز ، وقد تقدم في أول الكتاب الكلام عليه وعلى جماعته . ( 2 ) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار المعروف بالنظّام ، وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف ، ومنه أخذ الاعتزال ، وهو شيخ الجاحظ ، وهو معدود من أذكياء المعتزلة وذوي النباهة فيهم ، وقد أداه ذكاؤه المتوقد وبيانه المتدفق واطلاعه على الكثير من كتب الفلاسفة الطبيعيين والإلهين إلى أن ذهب المذهب الذي أنكره عليه عامة المسلمين . جمع بين مذاهب الثنوية وبدع الفلاسفة وشبه الملاحدة ودونه في دين الإسلام ، وأعجب بوقل البراهمة بإبطال النبوات ، وقد صنف كثير من أهل السنة بل والمعتزلة التصانيف في تكفيره والرد على زندقته . وللمزيد انظر ( الفرق بين الفرق / 93 ، والنجوم الزاهرة : 2 / 234 ، واعتقادات فرق المسلمين / ص 41 ، وطبقات المعتزلة / ص / 49 ) .