ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
139
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
ومن هذا ما حكاه اللّه سبحانه من محاجة صاحب يس لقومه ، بقوله : يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ، اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( يس : 20 - 21 ) فنبه على وجوب الاتباع ، وهو كون المتبوع رسولا لمن ينبغي أن لا يخالف ولا يعصى ، وأنه على هداية . ونبه على انتقاء المانع ، وهو عدم سؤال الأجر فلا يريد منكم دنيا ولا رئاسة فموجب الاتباع كونه مهتديا والمانع منه منتف ، وهو طلب العلو والفساد وطلب الأجر ، ثم قال : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أخرج الحجة عليهم في معرض المخاطبة لنفسه تأليفا لهم ، ونبه على أن عبادة العبد لمن فطره أمر واجب في العقول ، فإن خلقه لعبده أصل إنعامه عليه ، وأنعامه كلها تابعة لايجاده وخلقه . وقد جبل اللّه العقول والفطر والشرائع على شكر المنعم ومحبة المحسن . ولا يلتفت إلى ما يقوله نفاة التحسين والتقبيح في ذلك ، فإنه من أفسد الأقوال وأبطلها في العقول والفطر والشرائع ، ثم أقبل عليهم مخوفا الناصح فقال : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ثم أخبر عن الآلهة التي تعبد من دون اللّه أنها باطلة فقال : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ فإن العبد يريد من معبوده أن ينفعه وقت حاجته إليه ، وأنه إذا أرادني الرحمن الذي فطرني بضر لم يكن لهذه الآلهة من القدرة ما ينقذوني بها من ذلك الضر ، ولا من الجاه والمكانة عنده ما يشفع لي إليه ، ولا يخلص من ذلك الضر فبأي وجهة تستحق العبادة ؟ إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إن عبدت من دون اللّه من هذا شأنه . وهذا الذي ذكرناه من حجاج القرآن يسير من كثير . والمقصود أنه يتضمن الأدلة العقلية والبراهين القطعية التي لا مطمع في التشكيك فيها وإيراد الأسئلة عليها إلا لمعاند مكابر ، والمتأول لا يمكنه أن يقيم على مبطل حجة نقلية ولا عقلية أما النقل فإنه عنده قابل للتأويل ، وهو لا يفيد اليقين . وأما العقل فلأنه قد خرج عن صريحه وموجبه بالقواعد التي قادته إلى تأويل النصوص وإخراجها عن ظواهرها وحقائقها ، فصارت تلك القواعد