ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
137
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
وإذا كنتم مقرين بأنه خالقكم وخالق صدوركم وما تضمنته ، فكيف تختفي عليه وهي خلقه ؟ وهذا التقرير مما يصعب على القدرية « 1 » فهمه ، فإنه لم يخلق عندهم ما في الصدور . فلم يكن في الآية على أصولهم دليل على علمه بها ، ولهذا طرد غلاة القوم ذلك ونفوا علمه ، فكفرهم السلف قاطبة . وهذا التقرير من الآية صحيح على التقديرين ، أعني تقدير أن يكون ( من ) في محل رفع على الفاعلية أو في محل نصب على المفعولية : فعلى التقدير الأول ألا يعلم الرب مخلوقه ومصنوعه ؟ ثم ختم الحجة باسمين مقتضيين لثبوتها وهما « اللطيف » الذي لطف صنعه وحكمته ودق حتى عجزت عنه الأفهام « والخبير » الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها ، فكيف يخفي على « اللطيف الخبير » ما تخفيه الضمائر وتجنه الصدور « 2 » .
--> ( 1 ) قال الإمام الأوزاعي : أول من نطق من القدر رجل من أهل العراق يقال له : « سوسن » ، كان نصرانيا فأسلم ثم تنصر ، أخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد ا ه . قال عبد القاهر البغدادي : وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد اللّه بن عمر ، وجابر بن عبد اللّه ، وأبي هريرة ، وابن عباس ، وأنس بن مالك ، وعبد اللّه بن أبي أوفي ، وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم ، وأوصوا أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية ، ولا يصلوا على جنائزهم ، ولا يعودوا مرضاهم أه ( الفرق بين الفرق ) . ( 2 ) وقال الشيخ عبد العزيز السلمان في رسالة « مختصر الأسئلة والأجوبة الأصولية » : « اللطيف » الذي لطف علمه وخبره حتّى أدرك السرائر والضمائر والخفايا والغيوب ، ودقائق المصالح وغوامضها فالخفى في علمه مكشوف كالجلى من غير فرق ، وأنواع لطفه تعالى لا يمكن حصرها فيلطف بعبده في أموره الداخلية المتعلقة بنفسه ، ويلطف له الأمور الخارجية فيسوقه ويسوق إليه ما به صلاحه من حيث لا يشعر . النوع الثاني لطفه لعبده ووليه الذي يريد أن يتم عليه إحسانه كما جرى ليوسف عليه السلام . وأما « الخبير » : فهو من الخبرة ، بمعنى كمال العلم ووثوقه ، والإحاطة بالأشياء على وجه الدقة والتفصيل ، وهو العلم إلى كل ما خفى ودق .