ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

126

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

على قهره وتفرده بالإلهية دونه فعل ، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب به كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه . فلا بد من أحد أمور ثلاثة : إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه ، وإما أن يعلو بعضهم على بعض ، واما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه - ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه ؛ فيكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون . وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض ؛ وجريانه على نظام محكم لا يختلف ولا يفسد من أدل دليل على أن مدبره واحد . لا إله غيره . كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد لا رب غيره . فذاك تمانع في الفعل والإيجاد . وهذا تمانع في الغاية والألوهية . فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان . يستحيل أن يكون له إلهان معبودان . ومن ذلك قوله تعالى : هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ( لقمان : 11 ) فالله ما أحلى هذا اللفظ وأوجزه وأدله على بطلان الشرك : فإنهم ان زعموا أن آلهتهم خلقن شيئا مع اللّه ؛ طولبوا بأن يروه إياه . وان اعترفت أنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت آلهتها باطلا ومحالا . ومن ذلك قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ؟ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( الأحقاف : 4 ) فطالبهم بالدليل السمعي والعقلي . وقال تعالى : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ قُلِ اللَّهُ - قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ؟ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ؟ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ ؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ؟ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( الرعد : 16 ) فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق ، وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن الخلق ، وعلى أنه واحد بأنه قهار ، والقهر التام يستلزم الوحدة ، فإن الشركة تنافي تمام القهر .