ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

106

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

فقد ظهر لك من هذا إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل ، وأنه الذي جاء به الشرع وابتنى عليه . فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع ، وإن وجه العسر في تفهم هذا المعنى مع نفي الجسمية هو أنه ليس في المشاهد مثال له ، فهو بعينه السبب في أنه لم يصرح الشرع بنفي الجسم عن الخالق سبحانه وتعالى ، لأن الجمهور إنما يقع لهم التصديق بحكم الغائب متى كان ذلك معلوم الوجود في الشاهد ، مثل العلم بالصانع ، فإنه لما كان في الشاهد شرطا في وجوده كان شرطا في وجود الصانع الغائب ، وأما متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر ، ولا يعلمه إلا العلماء الراسخون كان الشرع يزجر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته . مثل العلم بالنفس لم يضرب له مثال في الشاهد ، إذ لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم . والشبهة الواقعة في نفي الجهة عند الذين نفوها ليس يتفطن الجمهور إليها . لا سيما إذا لم يصرح لهم بأنه ليس بجسم ، فيجب أن يتمثل في هذا كله فعل الشرع ، وأن لا يتأول ما لم يصرح الشرع بتأويله . والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب : صنف لا يشعرون بالشكوك العارضة في هذا المعنى خاصة ، متى تركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع . وهؤلاء هم الأكثرون وهم الجمهور ، وصنف عرفوا حقيقة الأشياء وهم العلماء الراسخون في العلم ، وهؤلاء هم الأقل من الناس . وصنف عرضت لهم في هذه الأشياء شكوك ولم يقدروا على حلها ، وهؤلاء فوق العامة دون العلماء . وهذا الصنف هم الذين يوجد في حقهم التشابه في الشرع ، وهم الذين ذمهم اللّه . وأما عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابه . فعلى هذا المعني ينبغي أن يفهم التشابه . ومثال ما عرض لهذا الصنف مع الشرع ما يعرض في خبز البر مثلا الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان أن يكون لأقل الأبدان ضارا وهو نافع للأكثر . وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر ، وربما ضرر للأقل . وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى : وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة : 26 ) .