فخر الدين الرازي

22

المحصل

واحتياجه إلى الفاعل متأخر عن علة احتياجه إلى الفاعل فاذن الحدوث متأخر عن علة الحاجة فلو كان هو علة أو جزءا منها ؛ لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب وأنه محال . وإذا ثبت أن الحدوث غير معتبر أصلا والمحوج إلى المؤثر اما الامكان أو الحدوث لأن عند انتفائهما كان الشيء واجبا قديما . ومثله لا يحتاج إلى سبب فتعين كون الامكان هو العلة للحاجة إلى العلة هكذا قرره في الكتب . وفيه نظر لأنا لا نسلم تأخر كل صفة عن الموصوف . فان الامكان صفة وهي سابقة على موصوفه سلمناه لكن لم قلتم بأنه يلزم من عدم كون الحدوث معتبرا ان يكون المحوج إلى السبب هو الامكان وانما يلزم ذلك ان لو انحصرت علة الحاجة إلى المؤثر في الامكان أو الحدوث أو فيهما وهو ممنوع . وما ذكرتموه لبيان هذه المقدمة يقتضي ان كل محتاج إلى المؤثر فهو ممكن أو حادث لكن لا يلزم من ذلك أن تكون علة للحاجة هذه الأمور الثلاثة . والصواب أن يقول الحدوث لما كان عبارة عن كون الشيء مسبوقا بالعدم لزم بالضرورة تأخره عن ذلك الشيء للعلم الضروري بامتناع عروض العارض للشئ الا بعد وجوده واما أن الحدوث إذا كان غير معتبر لزم أن يكون علة الحاجة الامكان لاتفاق الكل على أن علة الحاجة منحصرة في الامكان أو الحدوث أو فيهما . ( 57 - 1 ) قال المتكلمون هذا الدليل في حيز التعارض لأنا نقول المحوج إلى المؤثر اما الامكان أو الحدوث لما بينتم . والامكان ليس علة لأنه صفة للممكن فتكون متأخرة عنه وهو متأخر عن تأثير الفاعل فيه المتأخر عن احتياجه إلى المؤثر المتأخر عن علة الاحتياج . فلو كان الامكان علة أو جزءا منها لزم تأخر الشيء عن نفسه مراتب وأنه محال . أجاب عنه الحكماء بأنا لا نسلم تأخر كل صفة عن موصوفها . فان الامكان صفة للممكن وهي عندنا متقدمة والا لكان الممكن قبل وجوده اما واجبا أو