فخر الدين الرازي

14

المحصل

الحدوث في قوله : « علة الحاجة إلى المؤثر لما سبق الامكان لا الحدوث » فإنه رجح دليل الامكان على دليل الحدوث في خلق اللّه للكون . وبهذا الصدد يقول : ( أ ) لأن الحدوث كيفية لوجود الحادث فيكون متأخرا عنه والوجود متأخر تأثير القادر فيه المتأخر عنه احتياج الممكن إليه ، المتأخر عن علة احتياجه إليه ، فلو كانت العلة هي الحدوث لزم تأخر الشيء عن نفسه بمراتب . ( ب ) احتجوا ( أي المتكلمين ) بأن علة الحاجة لو كانت هي الامكان ، لزم احتياج العدم الممكن إلى المؤثر ، وهو محال لأن التأثير يستدعى حصول الأثر والعدم نفى محض فلا يكون أثرا . ( ج ) جوابه : فان قيل : ان علة العدم عدم العلة . ان فخر الدين الرازي في بند ( ا ) يبين سبب ترجيحه علة حاجة الكون إلى وجود اللّه تعالى بأنه الامكان ويعطى سبب ترجيحه بأن احتياج الممكن إلى الواجب الوجود احتياج مباشر وملازم وموجود منذ بداية الأمر وقبل احداث الممكن . ولذلك لا يمكن ان يخطر ببال الانسان المفكر درجات أو مراحل في علية الحاجة لأن الانسان يضل في الطريق الحق عندما يندرج في وسائل الاحتياج المتعددة . والاحتياج متلاحم ومتلاصق وبتعبير آخر إذا كانت علة الحاجة هي الامكان . وأما إذا كان علة الحاجة هي الحدوث تتأخر علة الحاجة عن الحدوث . وهذا هو المعنى الدقيق في المسألة . وعلى ذلك تظهر علة الحاجة بعد أن يحدث الكون ، يعنى بعد أن يخلق اللّه الكون ونراه بأعيننا وحواسنا حينئذ نفهم أو نستدل بما أن الكون قد حدث وصار بعد أن لم يكن موجودا . إن اللّه أحدثه وكونه وخلقه . هنا علة الحاجة تأخرت عن الحدوث أو على الأقل بالنسبة إلى فهم الانسان . فأما في الامكان فان الانسان يفهم في بداية الحاجة قبل كون الحدوث