الغزالي

96

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

مع كثرة عملهم ، وحب الجاه والمال والدنيا سم قاتل ، والرئاسة والشهرة يورثان الكبر والدخول في الدنيا وهما فساد الدين . قال بعضهم : ما عملت عملا واطّلع عليه الناس إلا أسقطته . وأما طول الأمل : فإنه يمنع من حسن العمل ويصد عن الحق والتسويف من أعظم جنود الشيطان ، وأما الشح والهوى وإعجاب المرء بنفسه : فهن من المهلكات . . . وأما فحش الغذاء : فإنه يظلم القلب ويورث القسوة والبعد عن اللّه تعالى ، وطيب الغذاء ينور القلب ويورث الرقة والقرب من اللّه عزّ وجلّ . قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [ البقرة : 172 ] والطيبات هي الحلال : أطب مطعمك ومشربك وما عليك أن لا تقوم الليل ولا تصوم النهار ، وطيب المطعم أصل كبير في طريق القوم ، ولو قام العبد قيام السارية لم ينفعه ذلك ، حتى يعلم ما يدخل جوفه . وأسرع الناس جوازا على الصراط أكثرهم ورعا في الدنيا . يقول اللّه عزّ وجلّ : « عبدي تجوع تراني تورع تعرفني تجرد تصل إليّ » قال اللّه تعالى : » وأما الورعون فأستحيي أن أعذبهم » قال بعض السادة من الأكابر : عليك بالعلم والجوع والخمول والصوم فإن العلم نور يستضاء به ، والجوع حكمة . قال أبو يزيد : ما جعت للّه يوما إلا وجدت في قلبي بابا من الحكمة لم أجده قبل . والخمول راحة وسلامة ، والصوم صفة صمدانية ما مثلها شيء لقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . فمن تلبس بها أورث العلم والمعرفة والمشاهدة ، ولذلك قال تعالى : » كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا الذي أجزي به » . ولخلوف فم الصائم عند اللّه أطيب من ريح المسك والاشتغال بالدنيا وغلبة الشهوات على القلب يورث جميع الأوصاف المذمومة فلا طمع في القرب ما لم تبدل الأوصاف المذمومة بالمحمودة . قال بعضهم : ما دام العبد ملوثا بالغير لا يصلح للقرب والمجالسة حتى يطهر قلبه من السوى . قال عثمان رضي اللّه عنه : لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم دون غيره . فصل اعلم أن ما سوى الحق حجاب عنه . ولولا ظلمة الكون لظهر نور الغيب ، ولولا فتنة النفس لارتفعت الحجب ، ولولا العوائق لانكشفت الحقائق ، ولولا العلل لبرزت القدرة ، ولولا الطمع لرسخت المحبة ، ولولا حظ باق لأحرق الأرواح الاشتياق ، ولولا البعد لشوهد الرب ، فإذا انكشف الحجاب تجشم هذه الأسباب وارتفعت العوائق بقطع هذه العلائق : بدا لك سرّ طال عنك اكتتامه * ولاح صباح كنت أنت ظلامه فأنت حجاب القلب عن سرّ غيبه * ولولاك لم يطبع عليك ختامه فإن غبت عنه حلّ فيه وطنبت * على منكب الكشف المصون خيامه