الغزالي

79

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

المعراج الخامس هذا المعراج معقود للنبوة والنبي ومعنى ذلك . والأمم في ذلك على ثلاث فرق : فرقة تنفيه وفرقة تثبته ، وهي فرقتان : طائفة : تزعم أن ذلك أوجبه مولده ، فكانت لنفسه قوة تنفعل لها الأمور ، وأوجب لها المولد أن يكون فاصلا حسن السيرة ، هذا مذهب الفلاسفة . والفرقة الثانية : اعتقدوا معنى النبوة ، وهو حصولها لشخص يخرق اللّه تعالى العادة على يديه بإظهار فعل غريب ، واشترطوا أن ينضم إليها ثمانية شروط : أحدها : أن تكون في زمن تصح فيه الرسالة . الثاني : خرق العادة بالمعجزة . الثالث : أن يقترن بدعواه تحد . الرابع : أن يوافق دعواه بعمله . الخامس : أن يتعلق مقاله بالقلب . السادس : أن لا يظهر على وجهه ما يدل على كذبه . السابع : أن يكشف القناع في التحدي . الثامن : أن يعجز الخلق عن معارضته ، ويلتحق بهذا شرط تاسع وهو كون المعجزة من جنس ما يتعاطاه أهل زمانه ، ثم ما يحصل إلى الرسول إما بواسطة أشخاص الملائكة بأن يتمثل له بشرا سويا أو على صورة ما ، وإما بغير واسطة بأن ينقش اللّه تعالى ذلك نقشا في الحاسة المتخيلة ، وقد قال تعالى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً [ الشوري : 51 ] . وهو ما يحصل في قوته الخيالية وهو المعروف بالإلهام ، كما قال تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى [ القصص : 7 ] . أو من وراء حجاب ، أو بواسطة ملك من الملائكة وهو الحجاب ، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، ونبينا صلى اللّه عليه وسلم قد ظهر على يده من خرق العوائد ما ظهر على أيدي الرسل ، وذلك ينقسم إلى ما بقي وإلى ما كان ، فمعجزاته من شق القمر ، وكلام الذراع ، وحنين الجذع ، واستدعاء المطر ، ونبع الماء من بين أصابعه ، وجعل قليل الطعام كثيرا وغير ذلك ، وأما ما بقي فالقرآن وما أعلم به من الأشراط والدلول ، وقد كان ذلك ونحن نشاهده ، ويبطل أن تكون النبوة بمعنى الملك ، فإن الإنباء بالغيب معنى آخر خلاف السياسة ، ويبطل أن يكون ذلك سحرا ، فإن الساحر لا قيام لسحره إلا به ، ولهذه الشريعة خمسمائة عام ، ثم هذا القرآن الذي عجز الخلائق عن آخرهم عن الإتيان بمثله إلى هلم جرا ، وكان صلى اللّه عليه وسلم أميا نشأ بين أميين لا معرفة لهم بالعلوم ، فأتى بهذا القرآن الذي اشتمل على علوم الأولين والآخرين ، وكل