الغزالي
75
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
لزوما ضروريا . لو انفرد لم تعاقب النفس عليه ، وإنما تعاقب على إهمالها إشارة العقل في الكف ابتداء ، فمتى تكررت الجواسيس على القوى الباطنة لزم النفس ذلك وشغلها فهي مأمورة أن تلزم الجنبة العليا ، والأمر كله للّه تعالى فهو المخترع للأفعال ، وهو موجد الأسباب الأول ، فالمسببات أفعاله فهذا لا حيلة فيه وهذا أقصى الغرض من تكرير هذا المسألة . وفي الحديث : حاج آدم موسى فقال : أنت الذي أخرج الناس من الجنة ؟ فقال : أتلومني على أمر قد قدر علي قبل أن أخلق ، فغلبه آدم عليه السلام وشهد له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : " فحاج آدم موسى " فإذا الأشعرية والمعتزلة والمجبرة قد تكلموا على الأفعال الجسمانية ولم تتعرض لها ، وإنما تكلمنا على النزوع الشوقي وجعلناه السبب ووافقنا الجبرية في الأفعال الجسمانية . وهذا منتهى للكلام في الجنس الإنساني من الحيوان . وأما حركات البهائم فهم موكلون بالجنبة السفلى ، عاكفون عليها لا علم لهم بالجنبة العليا ، وكيف تنكر ذلك وأنت تبصر كثيرا من الخلق كأصناف السودان وغيرهم لا فرق بينهم وبين البهائم لا يعرفون الملائكة ولا بارئهم ، بل يعبدون الثمار والأشجار كما قال تعالى : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الفرقان : 44 ] . ومحرك الحيوان ما تورد الحواس على القوة المتخيلة فهي فيهم كالقوة العقلية ، فالدابة تتأدب بآداب القوة الخيالية متى انتقش فيها أمر محذور ، فإنها إذا رأته حذرته وذلك أمر نافع ولا يبعد أن تكون لها قوة الحافظة تحفظ بها الصور . وأما العوالم العلوية فترتيب حركاتها لا يحيط بها إلا اللّه تعالى وحده العالم بمبدئها ، وإنما أدركنا منها ما تكرر علينا بالتجربة أو بإشارة العقل إليه إشارة جميلة . وذلك كنمو أجسامنا بالأغذية والأغذية من النباتات والنباتات كائنة من الماء والتراب فهي منفعلات عن الهواء والنار وهما كالفاعلين ، وهذان بالإضافة إلى الماء والتراب يكونان فاعلين بمعنى حصول التأثير لهما حصول الذبح بالسكين ، ولكن إذا انفردت الشاة ، والسكين لم يتم الفعل أصلا ولا بدّ من سبب جامع ، والنار والهواء امتزجت معهما أشعة الكواكب وازدحمت في منقعر فلك القمر ودارت بالأرض كرتها كما تدور الهالة بالقمر ، ثم هذه الأشعة تتحرك بمحركات هي تابعة لها وهي الكواكب السبعة ، وقد زعمت الفلاسفة أن هذه الكواكب حية وأنها مع العالم الأسفل كنحن مع أجسامنا . وأن لها الفعل الاختياري والفعل الاضطراري . وهذا ابتداع لا ننكره فلم يدل على إبطاله كتاب ولا سنة ولا إجماع ، ومن أنكر كون ذلك من الناس فعلى طريق التغليط ولا برهان البتة ، فلنجعل ذلك جائزا إذ مذهبنا أن البارئ تعالى هو الفاعل المطلق وأنه مسبب الأسباب وموكلها بمسبباتها ، فسواء على مذهبنا كانت حية أو جمادا فقصارى الأمر أن تكون كنحن ولا ننكر وجودنا ولا تصرفنا عالمنا ، ومنافرة هذا رعونة محضة وحماقة تامة ، ولنقل قولا يهون ذلك فربما زعم السامع أن تكون الملائكة مرئية والظواهر دلت على أنها محجوبة فنقول : الموجودات على ثلاث مراتب موجودات تعقل وهي موجودة ولا ترى . وهي العقول