الغزالي

67

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

يخلو علمهما لها إما أن يتطابقا أو يتضادا ، ومتى تطابقا أو تضادا فهو نقصان لمن يستحق الكمال الأتم ، وقد اتفقوا على أن البارئ تعالى منفرد بذلك . القسم الثالث : ما ذكرناه في القسمين السابقين ينقسم إلى ما لا يصح ولا يقوم عليه برهان وإلى ما يقوم عليه برهان ، كعلمنا أن السماوات متحركة وأن الحركات مختلفة في التغريب والتشريق واختلاف المطالع والمغارب وتعلق الحوادث بذلك ، لكنا نزعم أن ذلك تابع لإرادة البارئ سبحانه وعلمه في كل دقيقة من الزمان وهم يزعمون أن السماء ونفوس الأفلاك مستقلة بذلك من جهة إرادتها وعلمها ، فنجعل هذا القسم ثلاثة فصول : الفصل الأول : في أن اللّه سبحانه عالم بالمعلومات . الفصل الثاني : أنه مريد للكائنات . الفصل الثالث : في غرض القسم في ترتيب الحركات . الفصل الأول في أن الله سبحانه عالم بالمعلومات اتفق المثبتون للصانع على أن اللّه تعالى عالم ، واختلفوا فيما هو به عالم وهل علمه زائد عليه أم لا . وهذا الاتفاق في إثبات العلم كاف ونزيده بيانا أن تقول لا يخلو العالم أن يكون له محدث أو لا محدث له ، فإن لم يكن له محدث بطل بما قدمناه . وإن كان له محدث لم يخل أن يحدثه وهو عالم به أو غير عالم به . فإن قيل : أحدثه ولا علم له به فهو إما مقهور أو ذاهل وهذا باطل إذ ذاك محال وقد تقدم ما ينفيه فلم يبق إلا أنه عالم . فإن قيل : هو عالم ولكن بالكليات ، وأما بالجزئيات فذلك يوجب تجدد علمه بتجدد الوارد وذلك باطل ، والذي يلزم في حدوث جزء منه ، فإن الحدوث لا يختلف فلو صح أن تحدث خردلة دون علمه لجاز أن تحدث السماء دون علمه . فإن قيل : سلمنا أن محدثا لا يحدث وهو لا يعلم به ، بل للملائكة الموكلين بذلك في علمهم بالمعلومات استقلال وهذا منتهى شبههم . قلنا : ذلك محال فإن البارئ سبحانه عندكم عقل محض ومن شرط العقل المحض المبرأ عن المادة أن لا يجهل معلوما ، وإنما طرأ الجهل على الإنسان من حيث هو في مادة فاشتغل بها عن غيرها . فنقول : قد علمتم أن السماء عالمة بالجزئيات فهلا أوجبتم ذلك لرب العزة على الوجه الذي أثبتموه للسماء ؟ فإن قالوا : يلزم طروء الحوادث عليه . قلنا : لا يلزم لأن علمه قديم علم ما يكون من تركيبات العالم وانتقالاته إلى منتهى وعلى أصلكم من حيث علم الأسباب الأول يلزمه علمها وعلم توابعها وتوابع توابعها ، فإن من علم علم المسبب وما من سبب إلا وله مسبب هكذا إلى منقطع السلسلة . ثم الحدوث والتغير يطرءان على الحوادث وهي جارية على ما علم فعلمه واحد لا يتغير وإنما تغيرت هي من حيث علم تغيرها في علمه أنها يترتب بعضها على بعض . فإن قيل : فهل علمه زائد على ذاته أو هو عين ذاته ؟