الغزالي
45
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
باب ما تستشعر به القلوب من العظمة لعلام الغيوب قال اللّه العظيم : تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً [ الإسراء : 44 ] . وقال تعالى : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] . وقال تعالى : وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [ الرعد : 13 ] . اعلم وفقنا اللّه وإياك أن جميع ما تقدم ذكره في هذا الكتاب من بدائع الخلق وعجائب الصنع وما ظهر في مخلوقاته من الحكم آيات بينات ، وبراهين واضحة ، ودلائل دالات على جلال بارئها وقدرته ونفوذ مشيئته وظهور عظمته ، فإنك إذا نظرت إلى ما هو أدنى إليك وهي نفسك رأيت فيها من العجائب والآيات ما سبق التنبيه عليه وأعظم منه ، ثم إنك إذا نظرت إلى مستقرك وهي الأرض وأجلت فكرك فيها وأطلت النظر في استرسال ذهنك فيما جعل فيها وعليها من جبال شامخات ، وما أحيط بها من بحار زاخرات ، وما جرى فيها من الأنهار ، وما انبث فيها من أصناف النباتات والأشجار ، وما بث فيها من الدواب إلى غير ذلك مما يعتبر به أولو الألباب ، ثم إذا نظرت إلى سعتها وبعد أكنافها ، وعلمت عجز الخلائق عن الإحاطة بجميع جهاتها وأطرافها ، ثم إذا نظرت فيما ذكرته العلماء من نسبة هذا الحق العظيم إلى السماء ، وأن الأرض وما فيها بالنسبة إلى السماء كحلقة ملقاة في أرض فلاة وما ذكره النظار من أن الشمس في قدرها تزيد على قدر الأرض مائة ونيفا وستين جزءا ، وأن من الكواكب ما يزيد عن الأرض مائة مرة ، ثم إنك ترى هذه النيرات كلها من شمس وقمر ونجوم قد حوتها السماوات وهي مركوزة فيها ، ففكر في السماء الحاوية لهذا القدر العظيم كيف يكون قدرها ، ثم انظر كيف ترى الشمس والقمر والنجوم والسماء الجامعة لذلك في حدقة عينك مع صغرها ، وبهذا تعرف بعد هذا كله منك وعظم ارتقائه ، ولأجل البعد ترى هذه النيرات صغيرة في رأي العين ، ثم انظر إلى عظم حركتها وأنت لا تحس بها ولا تدركها لبعدها ، ثم إنك لا تشك أن الفلك يسير في لحظة قدر الأرض مائة مرة وأكثر من ذلك وأنت غافل عن ذلك ، ثم فكر في عظم قدر هذه الأشياء ، واسمع قسم الرب سبحانه بها في مواضع من الكتاب العزيز . فقال عز وجل : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ [ البروج : 1 ] . وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ [ الطارق : 1 . 3 ] . وقال : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ [ الواقعة : 75 و 76 ] . إلى غير ذلك من الآي ، ثم ترق بنظرك إلى ما حواه العالم العلوي من الملائكة وما فيها من الخلق العظيم ، وما أخبر به جبريل عليه السّلام النبي صلى اللّه عليه وسلم عن إسرافيل عليه السّلام ، يقول جبريل : فكيف لو رأيت إسرافيل ، وإن العرش لعلى كاهله ، وإن