الغزالي
35
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
كان من البهائم كيف يمز الماء في شربه مزا ، وكيف خلقت فيه شعرات حول فمه يدفع بها ما في شربها ما كان على وجه الماء من القذى والحشيش ويحركها تحريكا يدفع به الكدر عن الماء حتى يشرب صفوه ، فتقوم لها هذه الشعرات مقام فم الإنسان ، ثم انظر إلى ذنب البهيمة وحكمته ، وكيف خلق كأنه غطاء في طرفه شعر ، فمن منافعه أنه بمنزلة الغطاء على فرجها ودبرها ليسترها ومنها أن ما بين دبرها وطرق بطنها أبدا يكون فيه وضر يجتمع بسببه الذباب والبعوض ويجتمع أيضا ، على مؤخرها ، فأعينت على دفع ذلك بتحريك ذنبها ، فصار كأنه مدية في يدها تذب بها وتطرد عنها ما يضرّ بها ، ثم إنها تعطف برأسها فتطرد به ما في مقدمها من الذباب أيضا ثم إن الدابة أيضا أعينت بحركة مختصة ، وذلك أن الذباب إذا وقع عليها في مواضع بعيدة من رأسها وذنبها حركت ذلك الموضع من جلدها تحريكا تطرد به الذباب وغيره عنها . وذلك من عجيب الحكمة فيما لا ينتفع بيدين . ومن الحكمة فيه أيضا أن الدابة تستريح بتحريكه يمنة ويسرة لأنها لما كان قيامها على أربع اشتغلت يداها أيضا بالحمل لبدنها والتصرف ، فجعل لها في تحريك ذنبها منفعة وراحة ، وأعينت بسرعة حركته حتى لا يطول ألمها بما يعرض لها ، ومن الحكمة فيه أن البهيمة إذا وقعت في بركة أو مهواة أو وحلت في طين أو غيره . فلا تجد شيئا أهون على نهوضها وخلاصها منه من الرفع بذنبها ، ومن ذلك إذا خيف على حملها أن ينقلب على رقبتها عند هبوطها من مكان مصبوب أو ليسبقها رأسها فتنكب على وجهها ، فيكون مسكها بذنبها في هذه المواضع يعد لها ويعينها على اعتدال سيرها وسلامتها مما خيف منه عليها إلى غير ذلك من مصالح لا يعلمها إلا الحكيم العليم . انظر إلى مشفر الفيل ، وما فيه الحكمة والتدبير فإنه يقوم مقام اليد في تناول العلف وإيصاله إلى فمه ، فلو لا ذلك ما استطاع أن يتناول شيئا في الأرض إذ لم يجعل له عنق يمده كسائر الأنعام ، فلما عدم العنق في هذا الخلق جعل له هذا الخرطوم يمده فيتناول به ما يحتاجه فسبحان اللطيف الخبير ، انظر كيف جعل هذا الخرطوم وعاء يحمل فيه الماء إلى فمه ومنخرا يتنفس منه وآلة يحمل بها ما أراد على ظهره أو يناول من هو راكب عليه ، انظر إلى خلق الزرافة لما كان منشؤها في رياض شاهقة خلق لها عنقا طويلا لتدرك قوتها من تلك الأشجار . تأمل في خلق الثعلب فإنه إذا حفر له بيتا في الأرض جعل له فوهتين إحداهما : ينصرف منها ، والأخرى : يهرب منها إن طلب ويرفق مواضع في الأرض في بيته ، فإن طلب من المواضع المفتوحة ضرب برأسه في المواضع التي رفقها ، فخرج من خير المنافذ وهي المواضع التي تحتها ، انظر ما خلق اللّه تبارك وتعالى في جبلته لصيانة نفسه ، وجملة القول في الحيوان : أن اللّه تبارك وتعالى خلقه مختلف الطباع والخلق ، فما كان منه ينتفع الناس بأكله خلق فيه الانقياد والتذلل وجعل قوته النبات ، وما جعل منه للحمل جعله هادئ الطبع قليل الغضب منقادا منفعلا على صور يتهيأ منه الحمل ، وما كان منه ذا غضب وشر إلا أنه قابل للتنظيم إذا نظم خلق فيه هذا القبول للتعليم ليستعين العباد بصيده وحراسته وأعين بآلات قد تقدم ذكرها ، ومن جملة ذلك