الغزالي
33
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
أحوال التربية والقوة عليها بالفكر والأكف والأصابع المهيأة لذلك ولغيره ، فلذلك أعطيت النهوض والاستقلال بأنفسها . ولذلك ترى فراخ بعض الطير مثل الدجاج والدراج يدرج ويلقط عقيب خروجها من البيضة ، وما كان منها ضعيفا لا نهوض له مثل فراخ الحمام واليمام جعل في الأمهات عطفا عليها ، فصارت تعين الطعام في حواصلها ، ثم تمجه في أفواه فراخها ولا يزال كذلك حتى ينهض وتستقل ، فكل أعطي من اللطف والحكمة بقسط . فسبحان المدبر الحكيم . انظر إلى قوائم الحيوان كيف ينتقل أزواجا لتتهيأ للمشي ، فلو كانت أفرادا لم تصلح لذلك ، لأن المائي منها ينقل منها بعضه ويعينه على مشيه اعتماده على ما لم ينقله منها ، فذو القائمتين ينقل واحدة ويعتمد على الأخرى وذو الأربع ينقل اثنتين ويعتمد على اثنتين ، وذلك من خلاف لأنه لو كان ينقل قائمتين من أحد جانبيه ، ويعتمد على قائمتين من الجانب الآخر لم يثبت على الأرض كالسرير ولو كان يرفع يديه ويتبعها برجليه لفسد مشيه ، فجعل ينقل اليمنى من مقدمه على اليسرى من مؤخره ، ويعتمد الآخرين من خلاف أيضا فتثبت على الأرض ولا تسقط إذا مشى لسرعة التحاقهما فيما بين المشي والاعتماد . أما ترى الحمار يذل للحمولة والطحن ، والفرس مردعا منها ، والبعير لا تطيقه عدة رجال لو استعصى ، وينقاد لصبي صغير ، والثور الشديد يذعن لصاحبه حتى يضع النير على عنقه ليستحرثه ، والفرس تركب ويحمل عليها السيوف والأسنة في الحروب وقاية لراكبها ، والقطيع من الغنم يرعاها صبي واحد فلو تفرقت فأخذت كل شاة منها جهة لنفورها لتعذرت رعايتها ، وربما أعجزت طالبها ، وكذلك جميع الحيوان المسخر للإنسان ، وما ذلك إلا لأنها عدمت العقل والتروي . فكان ذلك سببا لتذليلها فلم تلتو على أحد من الناس ، وإن أكدها في كثير من الأحوال . وكذلك السباع لو كانت ذوات عقل وروية لتواردت على الناس وأنكتهم نكاية شديدة عظيمة ولعسر زجرها ودفعها ، ولا سيما إذا اشتدت حاجتها في طلب قوتها ويشتد خللها ، ألا يرى إذا أحجمت عن الخلق وصارت في أماكنها خائفة تهاب مساكن الناس وتحجم عنها حتى صارت لا تظهر ولا تنبعث في طلب قوتها في غالب أحوالها إلا ليلا ، فجعلها مع شدة قوتها وعظم غذائها كالخائفة من الإنس ، بل هي ممنوعة منهم ، ولولا ذلك لساورتهم في منازلهم وضيقت عليهم في مساكنهم . ألا ترى الكلب وهو من بعض السباع كيف سخر في حراسة منزل صاحبه حتى صار يبذل نفسه ويترك نومه حتى لا يصل إلى صاحبه ما يؤذيه ، ثم إنه أعان صاحبه بقوة صوته حتى يتنبه من نومه فيدفع عن نفسه ويألفه حتى يصير معه على الجوع والعطش والهوان والجفاء ، فطبع على هذه الخلال لمنفعة الإنسان في الحراسة والاصطياد . ولما جعله الباري سبحانه حارسا أمده بسلاح ، وهي الأنياب والأظفار واللهث القوي ليذعر به السارق والمريب ، وليجتنب المواضع التي يحميها . ثم انظر كيف جعل ظهر الدابة سطحا مثبتا على قوائم أربع لتمهيد الركوب والحمولة وجعل فرجها بارزا من ورائها ليتمكن الفحل من ضرابها ، إذ لو كان أسفل باطنها كالآدمي لم يتمكن