الغزالي

30

مجموعة رسائل الإمام الغزالي

الطيران ، فإنه لو خلقت فراخه في جوفه حتى يكمل خلقها لثقل بها . وتعوق عن النهوض للطيران ، أفلا ترى كيف دبر كل شيء من خلقه بما يليق به من الحكمة . انظر إلى من أنزله وألهمه الرقاد على بيضه فيحضنه مدة الحضانة ، من ألهمه أن يلتقط الحب ، فإذا ماع في باطنه غذى به أفراخه وهذا نوع من الطير ، ثم انظر مع هذا كيف احتمل هذه المشقة ، وليست له رؤية ولا فكر في عاقبة ، ولا له أمل يأمله في أفراخه كما يأمل الإنسان في ولده من العز والرفد وبقاء الذكر . فهل هذا قطعا إلا إلهام إلهي من فعل اللّه سبحانه . انظر كيف ألهم معرفة حمل الأنثى منه بالبيض ، فألهموا حينئذ حمل الحشيش وتوطئته في موضع التحضين والولادة لتكون الرطوبة والتوطئة تحفظ البيض ويكون البيض محفوظا في المهاد الذي يمهدونه ويستحسنونه في حال تحضينه . انظر إلى الحمام كيف ألهم معرفة كمال الفرخ وانتهاء تحضينه للبيض حتى يكتشف عن الفرخ ويخرجه ، وإن اتفق في البيض فساد بسبب عرق قام وتركه ، ثم انظر إلهامه بما يزق به فرخه فإنه أولا يزقه بالريح لتستعد حوصلته لقبول ما يوضع فيها . ثم بعد ذلك يزقه من أول هضم ، ثم إذا ماع الغذاء في حوصلته يزقه به حتى يدرجه يفعل مرارا حتى يولي حوصلته ، فإنه لو أرسله إليه حبا صحيحا لعجز عن هضمه لضعف جسده ، فانظر إن كان هذا من فعل الطير وحكمته ، ثم انظر عند خروج الفرخ من البيضة كيف يسنده إلى جنبه لئلا يفقد الحرارة دفعة واحدة فيضر ذلك به ، ومن الطير مما يخلق على هيئة أخرى لحكمة أخرى ولتعلم أن قدرة اللّه لا تنحصر في نوع واحد ، بل كل حال له حكم يقوم بمصلحة ذلك الشيء ، وذلك أن الدجاج ما فيهم أهلية الزق ، بل جعلت أفراخهم يلتقطون غذاءهم عند خروجهم من البيضة ، ثم انظر في الحمام الذكر والأنثى كيف يتداولان على التسخين خوف أن يفسد بيضهم فيعقب هذا صاحبه كأن لهم علما بأن عدم هذا التدبير يفسد به بيضهم ، ثم انظر إلى خلق البيضة وما فيها من الحكم للّه ففيها المح الأصفر الحابر والماء الأبيض الرقيق فبعضه لينشأ منه جسده . وبعضه يغتذي به إلى أن تنشق عنه ، وما في ذلك من التدبير المحكم العجيب ، وكيف جعل معه غذاءه في بيضة مغلقة تتنقى به إلى حين كماله فيها وخروجه منها ، ثم انظر في حوصلة الطائر وما في حلقها من التدبير فإن مسلك طعامه إلى القانصة ضيق لا ينفذ إليه إلا قليلا قليلا ، فلو كان لا يلتقط حبه حتى تصل الأولى إلى القانصة لطال الأمر عليه مع ما فيه من شدة الحذر وتجنبه ما يؤذيه ، فصار ما يحتكره احتراسا لشدة حذره ، فجعلت له الحوصلة كالمخلاة المعلقة أمامه ليؤدي فيها ما أدرك من الطعام بسرعة ثم ينفذ إلى القانصة على مهل ، وفيها حكمة أخرى ، فإن الطير الذي يزق أفراخه يكون رده الطعام من قرب أسهل عليه ، ثم تأمل ريش الطائر فإنك تجده منسوجا نسج الثوب من سلوك رقاق ، وفيها من اليبس ما يمسك ما حولها ، ومن اللين ما لا ينكسر معه وهي حاوية ، قد ألف بعضها إلى بعض ، كتأليف الخيط إلى الخيط والشعر إلى الشعر ، ثم تجده إذا فتحته أعني النسيج ينفتح