الغزالي
20
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
جانب والإبهام في جانب آخر فيدور الإبهام على الجميع ، فلو اجتمع الأولون والآخرون على أن يستطيعوا بدقة الفكر وجها آخر عن وضع الأصابع سوى ما وضعت عليه من بعد الإبهام عن الأربعة ، وتفاوت الأربعة في الطول وترتيبها في صف واحد لم يقدروا على ذلك ، وبهذا الوضع صلح بها القبض والإعطاء . فإن بسطها كانت طبقا يضع عليه ما يريد ، وإن جمعها كانت آلة يضرب بها ، وإن ضمها ضما غير تام كانت مغرفة له ، وإن بسطها وضم أصابعه كانت مجرفة ، ثم خلق الأظفار على رءوسها زينة للأنامل وعمادا لها من ورائها حتى لا تضعف بها ويلتقط الأشياء الدقيقة التي لا تتناولها الأنامل لولاها ، وليحك بها جسمه عند الحاجة إلى ذلك ، فانظر أقل الأشياء في جسمه لو عدمها وظهرت به حكة لكان أضعف الخلق وأعجزهم عن دفع ما يؤلمه ، وجلب ما ينتفع به في ذلك ولم يقم له غير الظفر مقامه في حك جسده ، لأنه مخلوق لذلك ولغيره فهو لا صلب كصلابة العظام ولا رخو كرخاوة الجلد يطول ويخلق ويقص ويقصر لمثل ذلك ، ثم جعله يهتدي به إلى الحك في حالة نومه ويقظته ويقصد المواضع إلى جهتها من جسده ، ولو احتاج إلى غيره واستعان به في حكمها لم يعثر الغير على مواضع الحاجة إلا بعد طول وتعب ، ثم انظر كيف مد منه الفخذين والساقين وبسط القدمين ليتمكن بذلك من السعي ، وزين القدمين بالأصابع ، وجعلها زينة وقوة على السعي ، وزين الأصابع أيضا بالأظفار وقواها بها ، ثم انظر كيف خلق هذا كله من نطفة مهينة ، ثم خلق منها عظام جسده فجعلها أجساما قوية صلبة لتكون قواما للبدن وعمادا له ، وقدرها تبارك وتعالى بمقادير مختلفة وأشكال متناسبة ، فمنها صغير وطويل ومستدير ومجوف ومصمت عريض ودقيق ، ثم أودع في أنابيب هذه العظام المخ الرقيق مصونا لمصلحتها وتقويتها ولما كان الإنسان محتاجا إلى جملة جسمه ، وبعض أعضائه لتردده في حاجاته لم يجعل اللّه سبحانه عظامه عظما واحدا بل عظاما كثيرة ، وبينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة فقدر شكل كل واحد منها على قدر وفق الحركة المطلوبة بها . ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتاد أثبتها بأحد طرفي العظم وألصق الطرف الآخر كالرباط ، ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجية منها ، ومن الآخرة نقرا غائصة فيها توافق لأشكال الزوائد لتدخل فيها وتنطبق ، فصار الإنسان إذا أراد أن يحرك شيئا من جسده دون غيره لم يمتنع عليه ، فلو لا حكمة خلق المفاصل لتعذر عليه ذلك ، ثم انظر كيف جعل خلق الرأس مركبا من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصور ، وألف بعضها إلى بعض بحيث استوت كرة الرأس كما ترى ، فمنها ستة تختص بالقحف ، وأربعة وعشرون للحي الأعلى ، واثنان للحي الأسفل ، والبقية من الأسنان بعضها عريض يصلح للطحن ، وبعضها حاد يصلح للقطع ، ثم جعل الرقبة مركز الرأس ، فركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات وزيادات ونقصان لينطبق بعضها على بعض ويطول ذكر الحكمة فيها ، ثم ركب الرقبة على الظهر من أسفل الرقبة إلى منتهى عظم العجز من أربعة وعشرين خرزة وعظم العجز ثلاثة أخرى مختلفة ووصل به من أسفله عظم العصعص وهو مؤلف من ثلاثة