الغزالي
108
مجموعة رسائل الإمام الغزالي
قال الجنيد : قدس اللّه روحه . معنى ذلك تضمحل فيه الرسوم وتندرج فيه العلوم ويكون اللّه تعالى كما لم يزل . وقيل : من وقع في بحار التوحيد لا يزداد على ممر الزمان إلا عطشا . فصل في بيان أنواع التوحيد اعلم : أن إثبات التوحيد خمسة أشياء في أصول التوحيد لا بدّ لكل مكلف من اعتقادهن . أحدها : وجود البارئ تعالى ليبرأ به من التعطيل . ثانيها : وحدانيته تعالى ليبرأ به من الشرك . وثالثها : تنزيهه تعالى عن كونه جوهرا أو عرضا . وعن لوازم كل منهما ليبرأ به من التشبيه . ورابعها : إبداعه تعالى بقدرته واختياره لكل ما سواه ليبرأ به عن القول بالعلة والمعلول . وخامسها : تدبيره تعالى لجميع مبتدعاته ليبرأ به عن تدبير الطبائع والكواكب والملائكة ، وقوله ( لا إله إلا اللّه ) يدل على الخمسة . فصل اتفق المسلمون على أن اللّه تعالى موصوف بكل كمال . بريء من كل نقصان ، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له واعتقد آخرون أنها نقصان فنفوها عنه . ولذلك أمثلة : أحدها : قول المعتزلة إن الانسان خالق لأفعاله ، لأن اللّه لو خلقها ثم نسبها اليه ، ولأنه لو فعلها مع أنه لم يفعلها وعذبه عليها مع أنه لم يوجدها ، لكان ظالما له والظلم نقصان . وكيف يصح أن يفعل شيئا ثم يلوم غيره عليه ويقول له : كيف فعلته ولم فعلته ؟ وأهل السنة يقولون : وجدنا كمال الإله في التفرد ونفي القدرة عيب ونقصان ، وليس تعذيب الرب على ما خلقه بظلم بدليل تعذيب البهائم والمجانين والأطفال ، لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [ الأنبياء : 23 ] والقول بالتحسين والتقبيح باطل فرأوا أن يكون هو الخالق لأفعال العباد ورأوا تعذيبهم على ما لا يخلقون جائزا من أفعاله غير قبيح . المثال الثاني : اختلاف المجسمة مع المنزهة . قالت المجسمة : لو لم يكن جسما لكان معدوما ولا عيب أقبح من العدم . وكذا النفي عن الجهات قول بعدمه لأن من لا جهة له لا يتصور وجوده . وقالت المنزهة : لو كان جسما لكان حادثا ولفاته كمال الأزلية والنفي عن الجهات كلها إنما يوجب عدم من كان محدودا منحصرا في الجهات . فأما ما كان موجودا قديما لم يزل ولا جهة فلا ينصرف إليه النفي . المثال الثالث : إيجاب المعتزلي على اللّه أن يثبت الطائعين كيلا يظلمهم والظلم نقصان ، وقول الأشعري : ليس ذلك بظلم إذ لا يجب عليه حق لغيره إذ لو وجب عليه حق غيره لكان في قيده والتقييد بالأغيار نقصان . المثال الرابع : قول المعتزلة إن اللّه تعالى يريد الطاعات وإن لم تقع ، لأن إرادتها كمال