القاسم بن إبراهيم الرسي

61

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

ومن ذلك ما ذكر أبو صالح عن الكلبي « 1 » عن عمر بن الخطاب ، أنه قال لابن عباس يوما من الأيام : ( يا أبا العباس ضربتني البارحة أمواج القرآن في آيتين قرأتهما ، لم أعرف ما تأويلهما ؟ فقال ابن عباس : ما هما يا أمير المؤمنين ؟ قال : قوله وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [ الأنبياء : 82 ] . فقلت : سبحان اللّه أيظن نبي من أنبياء اللّه أن اللّه « 2 » لا يقدر عليه ، أو أنه يفوته إن أراده ، ما ظن هذا مؤمن ؟ ! وقوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا [ يوسف : 104 ] . فقلت : سبحان اللّه كيف هذا أيس الرسل من نصر اللّه ، أو تظن أن قد كذب وعد اللّه ؟ ! ! إن لهاتين الآيتين خبرا من التأويل ما فهمته ؟ ! ! فقال ابن عباس : أما ظن يونس فإنه ظن لن تبلغ به خطيئته أن يقدّر اللّه بها عليه العذاب ، ولم « 3 » يشك أن اللّه إن أراده قدر عليه ، فهذا قوله : فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ . وأما قوله : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ . فهو استيئاسهم من إيمان قومهم ، وظنهم : فهو ظنهم لمن أعطاهم الرضى في العلانية ، أنه قد كذّبهم في السر ، وذلك لطول البلاء عليهم ، ولم تستيئس من نصر اللّه ، ولم يظنوا أن اللّه قد أخلفهم ما وعدهم . فقال عمر فرجت عني فرّج اللّه عنك « 4 » .

--> ( 1 ) الكلبي هو : الراوي عن أبي صالح . ( 2 ) سقط من ( أ ) : أن اللّه . ( 3 ) في ( ب ) : ولن . ( 4 ) أخرج الزبير بن بكار في الموفقيات من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهم ، أن معاوية قال له يوما : إني قد ضربتني أمواج القرآن البارحة في آيتين لم أعرف تأويلهما ففزعت إليك . قال : وما هما ؟ قال : قول اللّه : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ . وأنه يفوته إن أراده ، وقول اللّه : حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا . كيف هذا يظنون أنه قد كذبهم ما وعدهم ؟ فقال ابن عباس : أما يونس ، فظن أن لن تبلع خطيئته أن يقدر اللّه عليه فيها العقاب ، ولم يشك أن اللّه -