القاسم بن إبراهيم الرسي
579
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
الألباب ، والأم من علم كل شيء ، فهو البيّن من علمه غير الخفي ، وأم أمهات العلوم كلها ، فأنور ما يكون من العلم عند أهلها ، وكذلك الكتاب فمحكماته ، من غير شك أمهاته ، التي لا يشتبه على عالمهن منهن علم ، ولا يدخله في الإحاطة بهن شك ولا وهم ، ولا يحتاج في البيان عنهن إلى إكثار ولا تطويل ، بل تنزيل اللّه فيهن كافي من التأويل ، كقوله سبحانه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى : 11 ] ، لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) [ الأنعام : 103 ] ، وقوله : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ، وقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) [ يونس : 44 ] . فهذا وأشباهه من كتاب اللّه فهو المحكم ، الذي ليس فيه - بمنّ اللّه - شبهة ولا وهم . وأما متشابه الآيات من الكتاب ، فلا يكون أبدا إلا متشابها كما جعله رب الأرباب ، فليس يحيط غيره بعلمه ولم يكلف أحدا العلم به ، وإنما كلف العلم بأنه من عند ربه ، كما قال سبحانه : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 7 ) [ آل عمران : 7 ] ، فجعل الإيمان به والعلم بأنه من عنده فريضة عليهم في متشابه الكتاب ، ولو كان عند غيره بالاستخراج معلوما ، لما كان متشابها في نفسه ولا مكتوما ، وأزال عنه اسم الإخفاء والتشابه ، كما يوجد له من المخارج في العلم والتوجه ، ولما قال اللّه : مُتَشابِهاً [ الزمر : 23 ] ، جملة وإرسالا ، حتى يقال متشابها عند من كان به جاهلا ، وفي تشابه كتاب اللّه وإخفائه ، وما أراد بذلك سبحانه من امتحان كل محجوج وابتلائه ، أعلم العلم وأحكم الحكم عند أهل العلم والحكمة ، وأدل الدلائل على اللّه في الأشياء كلها من القدرة والعظمة . 90 - وسألت : عن قول اللّه سبحانه : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [ آل عمران : 106 ] ، وقلت هل هنالك إلا مسود الوجه أو مبيضه ؟ وهم - رحمك اللّه - وإن كانوا كذلك ، وعلى ما ذكر اللّه سبحانه من ذلك ، فهم فرق أصناف ، بينهم في أحوالهم اختلاف فمنهم مؤمن وفاسق ومشرك ومنافق ، وقاتل وقاذف وسارق ، وتنزيل الآية فيما سألت خاص غير عام ، لأنه ليس كل من يسود وجهه يقال له : كفرت بعد الإيمان ، لأن في النار من فرق الكفار من لم يكن