القاسم بن إبراهيم الرسي

477

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

[ موعظة ] بسم الله الرحمن الرحيم والحمد للّه وبه أستعين أما بعد : فإن الدنيا دار غرور ، لا يدوم فيها سرور ، ولا يؤمن فيها محذور ، جديدها يبلى ، وخيرها يفنى ، من وثق بها خدعته ، ومن اطمأن إليها صرعته ، ومن أكرمها أهانته ، أفراحها تعقب أحزانا ، ولذاتها تورث أشجانا . أما بعد : فإن أعمار الدنيا قصيرة ، ورحاها مديرة ، وسهامها قاصدة ، وحتوفها راصدة ، والمغرور من اغتر بها ، والمخدوع من ركن إليها ، من زهد فيها كفيها ، ومن رغب عنها وطيها ، قد غرت القرون الماضية ، وهي على الباقين آتية ، فيا بؤسا للباقين ، لا يعتبرون بالماضين ، يجمعون للوارثين ، ويقيمون في محلة المتجبرين . أما بعد : فاقنع باليسير ، وبادر بالتشمير ، وإياك والتغرير ، وانظر إلى ما تصير ، فليس الأمر بصغير ، وهيئ زادك للمسير ، فقد أتاك النذير . أما بعد : فقد وضح لك الطريق ، فلا تحيدن عن إطاره إلى المضيق ، فقد مضت الأيام ، وذهبت الأعوام ، وفنيت الأعمار ، وأحصيت الآثار ، وعن قليل تدعى فتجيب ، وتصعق فتغيب ، فعجبا « 1 » لقلبك كيف لا يتصدع ؟ ! وعجبا لركنك كيف لا يتضعضع ؟ ! وعجبا لجسمك كيف لا يتزعزع ؟ ! أما بعد : فإنه ليس لحي في الدنيا من مقام ، وعما قليل يأتيك الحمام ، وكل خلق تفنيه الأيام ، فلا تكن كالغافل النوام ، فإنما الدنيا إلى انصرام ، ولن يرى فيها دوام . أما بعد : فاتقوا اللّه ، عباد اللّه ، فيما تقدّم إليكم ، واحتج به عليكم ، من قبل اللهف والندم ، ومن قبل الأخذ بالكظم « 2 » ، وانقطاع المدة ، واستكمال العدة ، ومن قبل التلاقي واللزام ، والأخذ بالنواصي والأقدام ، فكأن قد نزلت بكم نازلة الفناء ، وأخرجتكم إلى دار البقاء ، وكشف عنكم الغطاء ، وتجرعتم سكرات الموت ، وخضتم غمرات

--> ( 1 ) في ( أ ) و ( ج ) : فعجب . وكذلك ما بعدها . ( 2 ) الكظم : مخرج النّفس من الحلق .