القاسم بن إبراهيم الرسي
342
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
يصلح حب اللّه وحب الدنيا في قلب ، كما لا تصلح العبادة إلا لرب ) ، « 1 » وكان يقول صلى اللّه عليه ( بحق أقول لكم : إن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، وكذلك فحب اللّه - ولا قوة إلا باللّه - فعاصم لأهله من كل سيئة ) « 2 » . أفيرجو من آثر الدنيا ؟ ! على اللّه أن يكون مع ذلك للّه وليا ، هيهات هيهات أطال من آثر الدنيا ، عنان عمله الغي والهوى ، فجمحت به نوازغ الغي المردي ، وعتت به مطايا الهوى المضل المغوي ، حتى أحلته دار الندامة ولات حين مندم ، ثم أسلمته من الحيرة إلى شر مسلم ، فما ينكشف عنه قناع غرة ، ولا يتيقظ من نوم سكرة ، رانت على قلبه بوادر أعمال السيئة ، وفتن دهره المضلة المعمية ، فقاده أهل الدنيا ، وأعنق « 3 » به قائد الهوى ، ومنّته نفسه بالاغترار طول البقاء ، وأسرعت الغفلة في أيامه بالفناء ، وكذبته نفسه في أي « 4 » . حين وأوان ، وفي أي حال - رحمكم اللّه - ومكان ، حين لا رجعة ينالها ، ولا إقالة يقالها ، وعند معاينته الأهوال ، وما لم يخطر له ببال ، من هتك ستور السوءات ، وهو في حال أحوج الحاجات ، إلى ما كان تركه فقرا وبلاء ، وغيره هو الخفض والغناء : يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) [ غافر : 18 ] . يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( 25 ) [ النور : 24 - 25 ] . يوم خافته رجال فمدحهم اللّه وزكّاهم ، وأحسن على مخافتهم له ثوابهم وجزاهم ، فقال سبحانه فيهم ، وفي حسن ثنائه - بمخافتهم له - عليهم : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
--> ( 1 ) نص الإنجيل هكذا : ( لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر ، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر ، لا تقدرون أن تخدموا اللّه والمال ) . إنجيل متى الإصحاح السادس / 24 - 25 . ( 2 ) نص الإنجيل هكذا : ( وأما الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة ، تفرق الناس في العطب والهلاك ، لأن محبة المال أصل لكل الشرور ، الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة ) . رسالة بولس الأولى إلى شيموثاوس / 9 10 . ( 3 ) أعنقه : أخذه بعنقه ، والمعنقة : قلادة توضع في عنق الكلب . ( 4 ) سقط من ( أ ) : أي .