القاسم بن إبراهيم الرسي

329

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

[ التأمل ] يا بني : وأكثر التأمل فيما يشخص إليه طرفك ، وتمنّاه « 1 » نفسك ، مما أوتيه من هو أجلّ منك قدرا ، وأكثر منك يسرا ، إلى ما تؤول إليه العواقب ، وما ذا تديره عليه النوائب ، فربما كان ذو الاقلال ، أنعم بالا وأحسن حالا من صاحب الأموال ، ومن سقته الدنيا من صفو لذاتها « 2 » كأسا ملأ ، جرّعته من كريه مرارتها ما يعود عليه وبالا ، لأن صفوها ممزوج بالكدر ، وأملها متنكد بالغير ، وعلى كل رائق « 3 » منها للناظرين ، رقباء غير غافلين ، يستلبون المهج ، ويدرسون بهجة المنهج ، « 4 » مع كثرة الإعراض ، وسرعة الإنعاض ، وتضييق الغلاصم ، « 5 » بخفي العظائم ، والحفظ بعيد عمن غلظ طبعه ، وضاق خلقه . واعلم يا بني : أن العاقبة ، نعمة كاملة ، وإن أعطي الانسان « 6 » من دهره المنى ، وأتحف منه بالرضى . ومن كثرت دعته ، « 7 » وحسن خلقه ومروءته ، فقد استكمل الفضل ، وحاز بفوزه الخصل « 8 » . يا بني : ولو شري الخلق الحسن بجميع الدنيا لكان رخيصا ، وكان شاريه وإن بقي فقيرا بالظفر مخصوصا . [ حوادث الأيام ] واعلم يا بني : أن الأيام نبل مسمومة ، والخلق أهداف مرمية ، والزمان لهم مرشق يرميهم في كل يوم بنافرة ، وتدور على الكواهل بأدمع دائرة ، حتى يدع اللحم عريضنا ،

--> ( 1 ) أي : تتمناه . حذفت التاء تخفيفا . ( 2 ) في ( ب ) و ( د ) : لذاتها . واللذة واللذاذة بمعنى واحد . أي : الأكل والشرب بنعمة وكفاية . ( 3 ) الرائق : الجميل . ( 4 ) المهج : دم القلب ، والروح ، وخالص كل شيء . ويدرسون : يطمسون . والمنهج : الطريق والسبيل . ( 5 ) الإنعاض : الحركة والاضطراب . والغلاصم : جمع غلصمة ، وهي : رأس الحلقوم . ( 6 ) سقط من ( ب ) و ( د ) : الانسان . ( 7 ) دعته : وقاره وسكونه . ( 8 ) في ( أ ) و ( ج ) : بفوره . والخصل : الغلب ، والسبق .