القاسم بن إبراهيم الرسي
312
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
يؤتى إليه مثله ، سكن غليله ، « 1 » وصفت له عيشته ، وطالت سلوته ، وكثرت راحته ، ورسخت في القلوب محبته ، ونقيت من صدره ضغينته ، وأشرقت بالفضل صفحته ، وعادت له من صنوه مودته ، وتأكدت في رقبته منته . ولعله إن طال تمعزه ، « 2 » أن يكثر عما يروم به عجزه ، فيريه « 3 » الغيظ والحرد ، ويغلغله « 4 » الحزن والكمد . تم نصف كتاب المكنون والحمد للّه رب العالمين . ألا وإن أحمد الناس مذاهب ، وأكملهم ضرائب ، « 5 » وأحسنهم فعلا ، وأرسخهم في اللب أصلا ، من تجافى عن هفوات إخوانه ، ووادع « 6 » أيام زمانه ، وصاحب بالمسالمة خدينه ، « 7 » وبالمناصفة قرينه ، ورضي من دهره بالموجود في غيره ، وساير الناس كلا على ما طبع عليه في عصره ، فإن أعظم النوائب ، وأقبح النواكب ، أن يسكن قلبك البغضة لمن كنت له وامقا ، « 8 » وتقل ثقتك بمن كنت به واثقا ، وتستوحش ممن كان لك نصيحا ، وكنت إليه حين تحزبك « 9 » الأمور مستريحا . واعلم يا بني : أن الحقد والحسد والغضب إذا اعتلجت في قلب أوقدته ، وأعمدته « 10 » وأقلقته ، فربما تهيّج من ذلك الداء المستكن « 11 » فاستوحش له البدن ، وأظهر من غوامض الأوجاع ما بطن ، فتغيرت لذلك الطبيعة ، واستدعيت القطيعة .
--> ( 1 ) في ( ب ) : عليه . وهو تصحيف . والغليل الحقد . ( 2 ) تمعزه : بخله . ( 3 ) في ( ب ) و ( د ) : فيريه به . ولعلها فيبريه الغيظ والحرد ، يعني يسقمه وينحله حتى يكون كالسهم المبري . ( 4 ) الحرد : الغيظ والغضب . ويغلغله : يدخل فيه أو يدخله في . ( 5 ) الضرائب : جمع ضريبة وهي : الخليقة والطبيعة . ( 6 ) وادع : هادن وصالح . ( 7 ) الخدين : الصديق . ( 8 ) الوامق : المحب . ( 9 ) حزبه الأمر : نزل به . ( 10 ) أعمدته : أحزنته . ( 11 ) المستكن : الكامن الساكن .