القاسم بن إبراهيم الرسي
18
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
بمستورها ، وأطلعه بمنّه على خفيّ أمورها ، فعنده منها ، ومن الخبر عنها ، عجائب كثيرة لا تحصى ، وعلوم جمّة لا تستقصى ، فهو ينظر إليها ويراها ، بغير قلب منه يرعاها ، فلا يخفى عنه ممّا أظهر اللّه به منها خافية ، وموهبة اللّه له في نفسه بعلمها من كل علم فكافية ، فإن شاء أن ينطق فيها نطق ، فأحقّ في خبره عنها فصدق ، وكان بها وفيها أصدق قائل ، وإن سكت عنها سكت غير جاهل ، فهو لعلومها قرين ، وعلى مكنونها أمين ، إن ذكّر منها بآية رعاها ، أو سمعها عن اللّه وعاها ، لا تصمّ « 1 » عنها له أذن ولا يقين ، ولا تعمى عنها منه فكرة ولا عين ، فهو ينظر إلى ما أرته بيقين قلبه عيانا ، كما قال سبحانه : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً ( 73 ) [ الفرقان : 73 ] . ليس بمنّ اللّه عليه ، ولا مع إحسان اللّه إليه ، بمستكبر عليها ، ولا بمصرّ فيها ، فيكون كمن ذكره اللّه فيها بإصراره ، وإعراضه عنها واستكباره ، فقال سبحانه : وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ( 7 ) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 8 ) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 9 ) [ الجاثية : 7 - 9 ] . ولا كمن ذكّر بآيات اللّه فأعرض عنها وظلم ، ولم يعلم عن اللّه منها ما علم ، كما قال تبارك وتعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ( 57 ) [ الكهف : 57 ] ، بل وهبه برحمته ومنّه وفضله قبول ما جاءت به آيات اللّه من النور والهدى ، فسمعها عن اللّه بأذن منه واعية ، وعلمها من اللّه بنفس في علمها ساعية ، ثم لم يمنعها من أهلها فيأثم ، ولم يضعها في غير موضعها فيظلم ، كما قال اللّه لرسوله ، صلى اللّه عليه وعلى أهله : وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 54 ) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 ) [ الأنعام : 54 - 55 ] ، ففصل تبارك
--> ( 1 ) في ( ب ) و ( ج ) : لا تصمم له عنها .