القاسم بن إبراهيم الرسي
373
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
والأول لا يكون أولا إلا لغيره ، ولا يثبت أولا لتكريره ، فأيهما أولى بالقيام في الوهم ؟ حدوث شيء لا من شيء متقدم ؟ ! أو شيء لا أوّل له يعلم ؟ ! ولا نهاية في آخره تتوهّم ؟ ! ! فإن قال شيء لا أوّل له ولا نهاية ، أولى بالتّوهّم منه ولاية . قيل : فلا يكون هو أولا إلا وهو متوهّم ، وإذا أجزت في معنى لم يزل التوهم ، ثبتت « 1 » به حينئذ الإحاطة ، ولا يحاط إلا بما له نهاية محيطة ، والنهاية أقطار ، والقطر تحديد وافتطار . فإن قلت : ليس نتوهمه على هذا لأن هذا قد استحال ، ولكننا نتوهم أنه لم يزل ولن يزال . قيل : فأنت إنما تريد تتوهم أنك تدرك وتعلم ! ! فلم أنكرت المحدث وإن لم تعلم له كيفية في الوهم ؟ ! وقد ثبت معنى لم يزل غير متوهّم ، فقد يلزمك أن يكونا جميعا « 2 » عندك في التعجب مشتبهين ، فإن قلت : فإني أنفي يا هذا هذين من الوجهين ، فالمسألة عليك في نفسك لازمة ، والأشياء بعد قائمة ! ! يقال لك : أتخلو الأشياء من أن تكون حوادث أو قديمة ؟ ! إذ الأشياء ليست إلا قديما أو حادثا ، لا يتوهّم متوهّم فيها وجها ثالثا ؟ فإن قلت : فإني لا أدري أعلى حقائق الأشياء أم لا ! لحقت بأصحاب سوفسطاء « 3 » ، وفيما كان من رد الأوائل عليهم غنى كاف ، وبيان قد تقدم منهم شاف . والحمد للّه رب العالمين ، وصلواته على محمد وآله الذين طهرهم تطهيرا . ومما يقال إن شاء اللّه لمن قال إنه لا يكون شيء إلا من شيء ، وأن كل ما أدركنا
--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : تبتت . وهي لا تستقيم هنا . لأن معناها الانقطاع . ( 2 ) سقط من ( أ ) : جميعا . ( 3 ) سوفسطاء زعيم لجماعة تنكر المشاهدات والضروريات وقد سبق الحديث عن خرافاتهم . والسوفسطائية : لفظة يونانية و « سوفا » بمعنى العلم ، و « سطاء » تعني الغلط ، فيكون معناها : علم الغلط . وعلى هذا فالسفسطة : قياس مركب من الوهميات ، والغرض منه تغليط الخصم وإسكاته . وليس يعقل أن يكون في العالم قوم ينتحلون هذا المذهب ، بل كل غالط في موضع غلطه يقال له : سوفسطائي .