القاسم بن إبراهيم الرسي

312

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

قال القاسم عليه السلام : إن هذه الدار دار امتحان ، ودار ابتلاء ، وحقيقة الامتحان فهو : أن يخلق فيه ، أو يأمره بشيء يثقل على طباعه ؛ فينظر هل يطيع ، أم لا يطيع ؟ ولو خلق اللّه ما هو خفيف على طباعه ، ثم أمره بالخفيف لكان ذلك لذة له ، وليس بامتحان « 1 » . فلما كانت هذه الدار دار امتحان ، كان الواجب في صواب التدبير ، أن يمزج الخير بالشر ، والنفع بالضر ، والمكروه بالمحبوب ، والحسنة بالسيئة ، والكريه المنظر بالحسن المنظر ، إذ كانت الدار دار امتحان ؛ لأنه « 2 » لو كان كله محبوبا كان دار الثواب ، ولو كان كله مكروها ، كان دار العقاب ، ودار الثواب والعقاب هذه صفتها . واعلم أنه لو « 3 » لم تعرف علل ذلك لكان جائزا ، وذلك أنه في بدي الأمر ، إذا أقمت الدلالة على أنه حكيم في نفسه وفعله ، ثم دللت على أن الكل من أفعاله حكمة ، استغنيت عن معرفة علله . ومثال ذلك من الشاهد : أنا لو هجمنا على آلات من آلات الصانع ، فرأينا اعوجاج المعوجات ، واستواء المستويات ، وصغر بعضها ، وكبر بعضها ، وغلظ بعضها ، ورقة بعضها ، فحكمنا « 4 » أن صانعها غير حكيم ، لكنا جاهلين بالحكمة ، نضع الحكمة في غير موضعها . بل حينئذ الواجب علينا أن نسلم للحكماء حكمتهم ، ونعرف أنهم لا يفعلون شيئا من ذلك إلا لضرب من الحكمة يعرفونه ، ونعلم بأن المعوج والمستوي ، وكل زوج منها يصلح لعمل لا يصلح له الآخر ، فحينئذ وضعنا الحكمة في موضعها . فاعرف ذلك وتبيّنه ، تجده كما قلنا إن شاء اللّه تعالى . فلما « 5 » كانت أفعال اللّه كلها إحسانا ، أو داعية إلى الإحسان ، كان تبارك وتعالى

--> ( 1 ) في ( ب ) و ( د ) : ولم يكن بامتحان . ( 2 ) في ( ه ) : لأنه جل وعلا لو . ( 3 ) في ( ه ) : واعلم أنه ولو لم نعرف . ( 4 ) في ( ه ) : وكثرة بعضها . وقلة بعضها . وفي ( ب ) و ( د ) : فحكمنا على . ( 5 ) في ( ب ) و ( د ) : ولما .