القاسم بن إبراهيم الرسي

194

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

[ دليل الحكمة والإتقان ] « 1 » فدليل العلم باللّه يا بني وأعصم « 2 » أسبابه ، وأقرب ما جعل للعلم به من مداخل أبوابه ، ما أظهر في الأشياء سبحانه من آثار الحكمة المتقنة ، التي لا تكون إلا من مؤثر متقن ، وأبان في الأشياء من شواهد التدبير الحسنة المحكمة ، التي لا تكون إلا من حكيم محسن ، كما قال سبحانه : ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 6 ) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) [ السجدة : 6 - 9 ] . فكل ما ذكره سبحانه

--> ( 1 ) دليل الخلق والإبداع والإتقان ، أو التأمل في آثار الصنعة والخلق ، هو دليل قرآني ، أصّل له المتكلمون المسلمون في أصول الدين ، وصار أصلا من أصول النظر والاستدلال في إثبات الخالق ووحدانيته ، وفي الرد على المنكرين للإلهية من الفلاسفة القدماء ، والذين يطلق عليهم بالفلاسفة الدهريين والفلاسفة الطبيعيين ، وقد استفاد المتكلمون من الإمام القاسم الرسي في الاستدلال على الخالق ، لسبقه لهم في هذا الطريق ، وجاء من بعده الجاحظ المتوفي سنة ( 255 ه ) والذي عاصره فكتب رسالة في ( الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير ) ) وهي رسالة طبعت أكثر من مرة وحققت ، وكذلك الأشعري المتوفي سنة ( 324 ه ) في كتابه ( ( اللمع ) ) عندما استدل بدليل النطفة / 11 - 19 ، وأبو بكر الباقلاني المتوفي سنة ( 403 ه ) في كتابه ( ( التمهيد ) ) وهو كتاب في الرد على فرق الملحدين وغيرهم ، حيث استخدم دليل الخلق والإبداع في الاحتجاج على أهل الطباع ، وكذلك الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفي سنة ( 458 ه ) في كتابه ( ( الاعتقاد ) ) . عندما استدل بالأدلة القرآنية في خلق السماوات والأرض وما فيهما من الدلائل على وجود الخالق ووحدانية / 30 - 43 ، وجاء الغزالي المتوفي سنة ( 505 ه ) ليكتب في هذا المجال بإفاضة ، ويؤلف فيه رسالة على نسق ما كتب الإمام القاسم والجاحظ من قبل ويسميها ( ( الحكمة في مخلوقات اللّه ) ) وهي رسالة مطبوعة ومحققة ضمن مجموعة . والقصد مما سبق أن هذا الدليل إسلامي أصيل ، ونجح المسلمون في استخدامه بطريقة بارعة ، ويرجع الفضل للأوائل منهم في هذا الطريق وعلى رأسهم صاحب هذه الرسالة الذي وظفه في الرد على الزنادقة والملحدين والمعاندين . ( 2 ) في ( أ ) : وعصم . وفي ( د ) : وعظم . والعصم والعصام من الدلو والقربة : حبل يشد به ، ومن الوعاء : عروة يعلق بها ، جمعه : أعصمة وعصم ، واعتصم به امتنع ، والعصمة مأخوذة من هذا ، والمراد به هنا القوة والمنع . والسبب في اللغة : الحبل ، وأسباب السماء : مراقيها أو أبوابها .