القاسم بن إبراهيم الرسي
140
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
التعبد ، وجاء الرسول بمعرفة العبادة . والعقل أصل الحجتين الآخرتين ، لأنهما عرفا به ولم يعرف بهما ، فافهم ذلك . ثم الإجماع من بعد ذلك حجة رابعة مشتملة على جميع الحجج الثلاث ، وعائدة إليها . ثم اعلم أن لكل حجة من هذه الحجج أصلا وفرعا ، والفرع مردود إلى أصله ، لأن الأصول محكّمة على الفروع ، فأصل المعقول ما أجمع عليه العقلاء ولم يختلفوا فيه ، والفرع ما اختلفوا فيه ولم يجمعوا عليه . وإنما وقع الاختلاف في ذلك لاختلاف النظر ، والتمييز فيما يوجب النظر ، والاستدلال بالدليل الحاضر المعلوم ، على المدلول عليه الغائب المجهول . فعلى قدر نظر الناظر واستدلاله يكون دركه لحقيقة المنظور فيه ، والمستدلّ عليه ، فكان الإجماع من العقلاء على ما أجمعوا عليه أصلا وحجة محكّمة على الفرع الذي وقع الاختلاف فيه . وأصل الكتاب فهو المحكم الذي لا اختلاف فيه ، الذي لا يخرج تأويله مخالفا لتنزيله . وفرعه المتشابه من ذلك فمردود إلى أصله ، الذي لا اختلاف فيه بين أهل التأويل . وأصل السنة التي جاءت على لسان الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ما وقع عليه الإجماع بين أهل القبلة ، والفرع ما اختلفوا فيه عن الرسول . فكل ما وقع فيه الاختلاف من أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فهو مردود إلى أصل الكتاب والعقل والإجماع . نهاية المطاف ولما لم يجد الإمام القاسم الأنصار على الجهاد ولم تواته الفرصة للصمود أمام جبروت الدولة العباسية ، انتقل إلى الرس في آخر أيامه - وهي أرض اشتراها وراء جبل أسود بالقرب من ذي الحليفة بالمدينة المنورة قريبة من أبيار علي - من حيث يحرم للحج الخارجون من المدينة ، وإلى جبل الرس نسب الإمام . وبنى هناك لنفسه ولولده ، وتفرغ للعلم والتأليف ، وتوفي بها ، وقد حصل له ثواب المجاهدين من الأئمة السابقين سنة ( 246 ه 860 م ) ، وله سبع وسبعون سنة ، ودفن فيها . وقد حاولنا