القاسم بن إبراهيم الرسي
114
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
الموت المادي والأدبي الذي يستحقه هذا الخائن . والواقع أن سلفنا نظروا إلى الكافر باللّه نظرة العصر الحاضر إلى الخائن لأمته ، ورفضوا الاعتراف بأي خير يفعله ، أو الإقرار بأي ميزة له . والكافر - في نظرنا - أهل لهذا الهوان . والجاحد لوجود اللّه ، الخائن لنعمته ، المنكر للقائه ، يرتكب بهذه الخلال أشنع جرائم الخيانة العظمى ، وليس له ما يدفع عنه ، مهما صنع : وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [ الحج : 16 ] . إلا أن هذه الحقيقة تولّد عنها خطأ شائع ، ألحق بالإيمان وأهله ضررا بليغا . فقد فهم العامة أن حسن الصلة باللّه - وهو فضيلة بيقين - قد يجبر النقص في بقية الواجبات المفروضة . ثم تدرّج هذا الفهم إلى أن هذه الواجبات يمكن أن تتلاشى ويغني الإيمان المجرد عنها . وانضم إلى هذا الوضع أن الذين انحرفوا عن الإيمان ، ونسوا اللّه ، أتقنوا طائفة من الأعمال الإنسانية ، والفنون الحيوية ، وسبقوا بها سبقا بعيدا . وعندما قام في العالم هذا التناقض ، اهتزت قضايا الدين ، وتخاذلت صفوف المؤمنين ، ونجمت في أرجاء الدنيا فتن عاصفة . إن المعنيين بالتربية الدينية قد يسيئون إلى الإيمان ، حين يتصورونه منديلا يمسح فيه الخطّاءون عيوبهم ، فهم يعثرون والإيمان يغفر ، ويكسرون والإيمان يجبر . وكثير من أتباع الأديان السماوية ظنوا التمسك بأصل الدين كافيا في النجاة مهما صنعوا . وقالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ . . . [ البقرة : 111 ] . وقد فنّد القرآن الكريم هذه المزاعم ، ورسم طريق النجاة الحقيقي ، وهو مزيج من الإيمان الحي ، والإحسان في العمل والإخلاص للّه قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ