الإمام يحيى بن الحسين

84

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

وَمَثْواكُمْ [ محمد : 19 ] ، التقلب من الخلق ، وعلم الخالق محيط بهم ، ولا يقدر أحد أن يخرج من علم اللّه ، وليس علم اللّه الذي يدخلهم في الطاعة ويخرجهم من المعصية ، ولكن ( قوما ) اختاروا الطاعة على المعصية فاستوجبوا من اللّه الرضى والرضوان ؛ لأنهم سعوا في إرادة اللّه ومشيئته ، واختار قوم المعصية على الطاعة ، فاستوجبوا من اللّه السخط والعقوبة ؛ لأنهم سعوا في سخط اللّه وكرهوا رضوانه ، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ [ محمد : 28 ] ، واتبعوا أهواءهم ، وأرضوا الشيطان بفعلهم ، فصاروا في حزبه : أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [ المجادلة : 19 ] ؛ لأن اللّه لا يقدّر أبدا ما يكره ، ولا يقدّر إلا ما يرضى ، وليست مشيئته تقع إلا على رضاه ، ولا يكره إلا ما يسخطه ، فاعلم ذلك ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ، كما قال عز وجل : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ [ هود : 105 ] ، في ذلك اليوم بعمله القبيح الذي قدمه في دار دنياه ، ومنهم سعيد بعمله الصالح الذي قدمه في هذه الدنيا ، ولذلك قال عز وجل : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الأعراف : 179 ] ، يقول : إنه يعيدهم ويخلقهم يوم القيامة خلقا ثانيا ، من خرج من الدنيا عاصيا لجهنم ، وإن كان لفظ ( ذرأنا ) لفظ ماض فمعناه مستقبل ، كما قال : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 44 ] ، وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ ، يقول : إنهم سينادون ، لا أنه عز وجل خلقهم للنار في هذه الدنيا ، وهو سبحانه يقول : خلاف ذلك في كتابه ، قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، لم يخلق جميع خلقه إلا لعبادته ، ولذلك ركب فيهم العقول وأرسل إليهم الرسول وأنزل عليهم الكتب ؛ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 31 ] ، وقال : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [ يونس : 26 ] ، في الكرامة . والوجه الثاني من كتاب اللّه : قوله سبحانه : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها ، يقول : فرضنا عليهم : أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] ، إلى آخر الآية . والوجه الثالث : قوله عز وجل : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ [ الزمر : 2 ] ، يعني القرآن . والوجه الرابع : قوله : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 12 ] ، يقول : أوجب على نفسه الرحمة ، أنهم إذا تابوا رحمهم ، وأوجب لهم على نفسه الرحمة ، فالكاتب والمكتوب