الإمام يحيى بن الحسين

70

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

الإرادة من اللّه عز وجل في خلقه على معنيين : إرادة حتم وجبر وقسر : وهي إرادة اللّه عز وجل في خلق السماوات والأرض وما بينهما من الخلق من الملائكة والجن والإنس والطير والدواب وغير ذلك . إرادة حتم وجبر ، فجاء خلقه كما أراد ، لم يمتنع منه شيء ، ولم يغلبه شيء من الأشياء كما قال عز وجل : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [ الملك : 3 ] ، وقال : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [ فصلت : 11 ] ، يقول : كوّنهما فكانتا ، من غير مخاطبة ولا أمر ، وذلك أن اللّه عز وجل لم يخاطب أحدا من خلقه إلا ذوي العقول من الملائكة والجن والإنس ، وسائر خلقه حيوان لا عقول لها ، وجماد لا روح فيه ، وإنما خاطب اللّه عز وجل أهل العقول ، وأمرهم ونهاهم ، وأرسل إليهم الرسل ، وأنزل عليهم الكتب ، وبين لهم الحلال والحرام ، فمن أطاع وائتمر بأمره وانتهى عن نهيه استوجب من اللّه الحفظ والحياطة في دنياه الفانية ، والثواب الجزيل في آخرته الباقية ، ومن عصاه منهم عذبه في الدنيا والآخرة . والذي لا عقل له من خلقه لا يجب له ثواب ولا عليه عقاب . قال عز وجل : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ، يقول : إذا كوناه كان بلا كلفة ولا اضطراب ، ولا تحيل ولا إضمار ولا تفكر ، ولا تتقدم إرادته فعله ، ولا فعله إرادته ، بل إرادته للشيء إيجاده وكونه ، وإذا أراده فقد كونه ، وإذا كونه فقد أراده ، لا وقت بين إرادته للشيء وكونه . والإرادة الثانية من اللّه عز وجل : إرادة تخيير وتحذير ، معها تمكين وتفويض ، أراد من خلقه الإيمان على هذا الوجه ؛ لأنه لو أراد منهم الإيمان على نحو ما أراد خلقهم ؛ ما إذا قدر واحد من خلقه أن يخرج من الإيمان إلى الكفر ، كما لا يقدرون أن يتحولوا من صورهم إلى صور غيرهم من الخلق ، ولكن ركب فيهم العقول ، وأرسل إليهم الرسول ، وهداهم النجدين ، ومكنهم من العملين ، ثم قال : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [ الكهف : 29 ] ، وقال : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [ الإنسان : 3 ] ، وقال : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] ، فدل على أنه هداهم ، واستحبوا هم العمى على الهدى اختيارا من أنفسهم واستحبابا ، ثم قال : اعْمَلُوا