الإمام يحيى بن الحسين

46

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

اللّه في كلاءة وحفظ ، فهم الأقلون عددا ، والأعظمون عند اللّه قدرا ، ولن تخلوا أمة من مغتال لها مفرق لجماعتها ، وآخر داع إلى هداها وصلاحها . فمن نظر ، فاعتدلت فطرته ، وصفت طبيعته ، وكان نظره بعين النصيحة لنفسه ، قد ملّك عقله الحكم على هواه « 17 » ، وقيّد شهواته بإسار الذل تحت سلطان الحكمة ، فأسلمه ذلك إلى مباشرة اليقين بربه ، فاستلان ما استوعر منه المترفون ، واستأنس إلى ما استوحش منه الجاهلون ، وصحب الدنيا أيام حياته ، وقلبه معلق بالمحل الأعلى ، لا تعتريه سآمة ولا فتور من طلب ما أمّل من عيش مقيم ، قد أيقن بالخلف فجاد بالعطية ، دله اللّه فاستدل ، وخاطبه ففهم عنه أحسن الإرشاد ، طيبة نفسه بكل ما بذل في جنب اللّه ، لأنه هجم على اليقين ، وأنس بالتقوى ، فضمنت له النجاة ، وخرج من غمرات الشكوك إلى روح الاستيقان ، فأقام الدنيا مقامها الذي أقامها اللّه [ عليه ] « 18 » ، واستهان بالعاجلة وآثر العاقبة ، ومهّد لطول المنقلب . . . ولن يعدم أن يكون في الخلق من قد استبهم « 19 » عن الفهم ، وولج في مضايق الحيرة ، أعمى حيران يدعو إلى العمى ويقول : أعتزل البدع ؛ وفيها اضطجع ، ويقول : أجتنب الشبهات ؛ وفيها وقع ، متبع لآثار أوليه ، مقتد بآبائه ، أكثر ما عنده تقليد أسلافه ، وائتمان أكابره ، والإنسان على ما جرت به « 18 » تربيته ، والإلف إلى ما سبق إلى اعتقاده ، ضنين « 21 » بفراق عادته ، لم يتقسم التفتيش قلبه ولم يجتز « 20 » في طرق البحث فكره ، ولم تميّزه المناظرة ، فلم يعتوره الاحتجاج ، ولم يتنسم روائح اليقين ، ولا نظر في العلل التي معرفتها نهاية الاستبصار ، متوسد غمرة الاختلاف ، وحيرة « 22 » الفرقة ، غفل عن تمييز

--> ( 17 ) في ( ب ) : على ما يهواه . ( 18 ) ما بين المعكوفين من ( ب ) . ( 19 ) أي دخل في طبع البهائم . ا ه من هامش ( أ ) . ( 20 ) عليه . نخ . ( 21 ) ضنين أي : شحيح بفراق عادته . ( 22 ) يتحرّ .