الإمام يحيى بن الحسين

118

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

فتبارك من ليس كذلك ، ولا على شيء من ذلك ، بل هو اللّه الواحد الأحد ، المتقدس الصمد الذي ليس له شبه ولا مثيل ، ولا ضد ولا عديل . فأما قوله سبحانه : وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [ طه : 41 ] ، فإنما أراد بذلك اصطنعتك لي ، وقربتك نجبا مني ، وكذلك قوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] يريد يحذركم عقابه لتخافوه ، وفي كل أموركم تتقوه ، وفي سرائركم تراقبوه ، والقرآن فإنما نزل على العرب بلغتهم ، وخاطبهم اللّه فيه بكلامهم ، والنفس تدخلها العرب في كلامها صلة لجميع ما تأتي به من مقالها ، وقد تزيد غير ذلك في مخاطبتها ، وما تسطره من أخبارها ، مثل ( ما ) ، و ( لا ) ، وغير ذلك ، مما ليس له عندها معنى ، غير أنها تحسن به كلامها ، وتصل به قيلها وقالها ، من ذلك قول الرجل لصاحبه : ( أتيتك بنفسي ) ، و ( أتيتني بنفسك ) ، وإنما يريد : أتيتني أنت دون غيرك ، وتقول العرب : ( ما منعك ألا تأتيني ) ، تريد : ما منعك أن تأتيني ، فأدخلت ( لا ) صلة لكلامها ، وأثبتتها كذلك في كتابها ، وفي ذلك ما يقول الرحمن الرحيم ، فيما نزل على نبيه من الفرقان العظيم ، من قول موسى عليه السلام يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي [ طه : 92 ] ، فإنما أراد صلى اللّه عليه : أن تتبعني ، فأدخل ( لا ) صلة في الكلام ، ومثل هذا كثير ، فيما نزّل ذو الجلال والإكرام ، من ذلك قوله سبحانه : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] ، وقوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [ المائدة : 13 ] ، يريد سبحانه وعظم عن كل شأن شأنه : فبرحمة من اللّه لنت لهم ، وأراد : فبنقضهم ميثاقهم ، فأتى فيهما ب ( ما ) صله بغير سبب ولا معنى ، وكذلك وفي مثل ذلك ما يقول الشاعر : بيوم جدود ما فضحتم أباكم * وسالمتم والخيل تدمى شكيمها فقال : ما فضحتم أباكم ؛ وإنما أراد : فضحتم أباكم ، فأتى ب ( ما ) صلة لغير معنى . وقال اللّه ذو الجبروت والإنعام ، يحكي عن نبيه عيسى عليه السلام في قوله : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [ المائدة : 116 ] ، يعني صلى اللّه عليه تعلم غيب أمري وعلانيتي وسري ، ولا أعلم ما غاب من فعلك ولا أطلع إلا على ما اطلعتني عليه من وحيك ، فهذا معنى ما عنه سألت ، لا ما إليه من فاحش القول ذهبت في