المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان

473

مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة

ذكر ما يتعلق بهذه السورة الشريفة دون غيرها من الرد عليهم ، والتحقيق بالصدق لما ذكرنا ، قال سبحانه مخاطبا لبني إسرائيل في نبيه عليه السلام في حال تيههم وظلمهم : وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ البقرة : 57 ] ، فلم يمنعه تعالى ظلمهم لأنفسهم من إتمام النعمة عليهم ، وإصباغ أرزاقهم لبلوغ الحجة فيهم ، وفي مثله قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ البقرة : 126 ] ، وهم ربما قالوا رزق المطيع سبحانه ولم يرزق العاصي وهذا عند عامتهم . وأما عند أهل التحقيق فرزق العاصي والمطيع حصل بغير قصد من اللّه سبحانه ، بل بالفطرة والإحالة والحركة ، فقد رأيت اختياره سبحانه بأنه يمتع الكافر قليلا ؛ لأن متاع الدنيا قليل ثم يضطره الموت وغيره من أسباب الهلاك إلى عذاب النار ؛ لأنه برزقه له وجب عليه حمده وشكره ، وبكفره لا لأنه استحق النار ، قال تعالى في الامتحان والبلوى في هذه السورة : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 155 ] الجوع : من أنواع الجدب ، والخوف على وجهين : خوف من اللّه تعالى ، وخوف من أعدائه وهما جميعا في الحكم من جهته ؛ لأنه لولا تعبدنا بعداوة أعدائه لم نخفهم ، ولولا تعبدنا بطاعته لم نخف مخالفة أمره ، ونقص من الأموال والأنفس ، أنواع المال معروفة ونقصها ظاهر بالموت من حيوانها ، وبتلف من جمادها ، ونقص الأنفس : الموت والأمراض على أنواعها ، والثمرات نقصانها بما يحدث من الآفات فيها ، وكل هذا بغير حاجة منه سبحانه إليه ، وإنما أراد بلوانا بالصبر لنفع يعود علينا ، كما ابتلانا