المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان
311
مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة
خلافا لما تذهب إليه الحشوية فلا معنى لقول من يقول : كيف قال تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي علمهما على التفصيل والجملة ، والعلم لا يتوهم فيه السعة ؛ لأنا نقول خاطب بذلك سبحانه على جملة التوسع والمجاز ، وخطابه بالمجاز جائز دليله ما قدمنا ، فلما كان علمه بهما بحيث لا يغادر شيئا منهما صار كأنهما داخلان في إثباته متغلغلان في قيعانه وهو محيط بهما وحائز لهما جاز أن يتجوز في ذلك سبحانه بقوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . وأما قوله : إذا كان المراد به إحاطة علم كان حيا عالما عاقلا يعني العلم ، فذلك قول لا وجه له ولا خفاء بسقوطه ؛ لأنه إذا قيل : علم فلان محيط بكذا وكذا لم يسبق إلى الأفهام ، ولا يخطر في الأوهام ، أن علمه عالم عاقل حي ؛ لأن علمه عرض ، والعلم والحياة والعقل مستحيلة عليه ؛ ولأن ذلك لو جاز فيه أدى إلى التسلسل . فأما الباري تعالى فلا يتصور الإلزام في حقه لاستحالة كونه عالما بعلم فيقال : هل ذلك العلم عالم أم لا ؟ فلا وجه لما ذكره على كل حال ، وقد بينا فيما تقدم أن الطريق إلى جسمانية العرش [ والكرسي ] « 1 » السمع ، ولا دلالة فيه تدل على أنهما حيان فيستحيل سؤاله عن التعدي وتوابعه لاستحالة الحياة . وأما قوله سبحانه : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] على قول من يقول : إن الكرسي جسم على ما قدمنا ، فإنه يحمل قوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [ البقرة : 255 ] على حقيقته ؛ لأن السماوات والأرض عنده في جنب الكرسي كما ورد في الخبر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كحلقة ملقاة في فلاة ، ولا شك في كون الفلاة واسعة للحلقة وأمثالها ، وذلك تشبيه منه صلى اللّه عليه وآله وسلم لصغر السماوات والأرض في جنب الكرسي كالحلقة في جنب الفلاة ، ولا يقتضي ذلك كون
--> ( 1 ) سقط من ( أ ) .