سلطان الواعظين ( السيد محمد الموسوي الشيرازي )
62
ليالي بيشاور ( مناظرات وحوار )
ارجع إلى أرضك ، فقال زيد : واللّه لا أرجع . وأخيرا أذن له هشام وأمر خادما أن يتبعه ويحصي ما يقول . فسمعه يقول : واللّه ما أحبّ الدنيا أحد إلّا ذلّ . وأمر هشام جلساءه أن يتضايقوا في المجلس حتّى لا يقرب منه . فلمّا دخل زيد لم يجد موضعا يجلس فيه ، فعلم أنّ ذلك قد فعل عمدا ، واستقبله هشام بالشتم والسباب ، بدل التكريم والترحاب ! وفي المقابل لم يسكت زيد عن الجواب ، وإنّما أسمع هشاما ما لم يحبّ أن يسمع ، فلم يتحمّل هشام وأمر بطرده ، دون أن يسمع شكواه ، فأخذ الغلمان بيده ليخرجوه ، فأنشد زيد : شرّده الخوف وأزرى به * كذاك من يكره حرّ الجلاد قد كان في الموت له راحة * والموت حتم في رقاب العباد فخرج من مجلس هشام وتوجّه إلى الكوفة ، فحدّث الناس بظلم الخليفة وعمّاله ، فبايعه خلق كثير فيهم الأشراف والعلماء ، لأنّهم وجدوه أهلا للقيادة ، فهو سيّد هاشمي ، وفقيه تقيّ ، وشجاع باسل . ولمّا رأى أعوانا ، نهض ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدفع الظلم والضيم عن نفسه وعن المؤمنين ، فدارت المعركة بينه وبين يوسف الثقفي والي الكوفة وجيشه الجرّار . ولكن أصحاب زيد تركوا زيدا وحده قبل أن يخوض الحرب ويدخل في غمراتها ، ولم يبق معه إلّا نفر قليل ! ! ورغم ذلك فقد دخل زيد الحرب وجاهد بشجاعة وبسالة هاشمية وهو يرتجز : أذلّ الحياة وعزّ الممات * وكلا أراه طعاما وبيلا فإن كان لا بدّ من واحد * فسيري إلى الموت سيرا جميلا