المقداد السيوري

560

اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية

ولا يستحقّون أن تشملهم شفاعة النبيّ المختار وآله الأطهار عليهم صلوات الملك الجبّار . أمّا الذين يعتقدون المعارف الخمسة بالاعتقاد الجازم ، ولكن لجهلهم بصناعة الاستدلال عاجزون من ترتيب المقدّمات بصورة القياس ، كأكثر العوام من الذكور والإناث ، فعلمهم واعتقادهم علم حاصل من الدليل وواجدون لحقيقة الإيمان ، وعنهم وعن أمثالهم عبّر الشيخ الطوسي قدّس سرّه في كتابه النفيس العدّة بأصحاب الجملة ، يعني أنّهم يعلمون معارف دينهم بنحو الإجمال وبالدليل الإجمالي ، ولا يتمكّنون من أداء ما في ضمائرهم على نحو التفصيل ، وذكر أنّ المحدّثين والأخباريين في باب أصول الدين من أصحاب الجملة . وأمّا ما نطق به القرآن الكريم في حقّ إبراهيم الخليل عليه السّلام بقوله تعالى : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي « 1 » فالمراد من الاطمئنان ليس دون مرتبة العلم وإن كانت كفاية هذه المرتبة في تحقّق الإيمان لا تخلو من قوّة ؛ لأنّ عدم حصول علم اليقين لإبراهيم الخليل عليه السّلام ينافي مقام النبوّة والعصمة ، وكونه من أولي العزم ، ومناقض ومضادّ لمرتبة الخلّة للرحمن . بل الاطمئنان ، وهو عبارة عن سكون النفس وحصول الطمأنينة له مع وحدة المعنى ، له مرتبتان : مرتبة فوق مراتب الظن ودون مرتبة العلم ، ومرتبة فوق مراتب العلم والإيمان ، والمرتبة التي كان الخليل عليه السّلام طالبا لحصولها هو الاطمئنان الذي هو فوق العلم ، ومع حصوله يأمن من تصرّفات الوهم ، فإنّ الإنسان مع جزمه على شيء ربّما يتصرّف الوهم فيه ، كما أنّه مع علمه وجزمه بأنّ بدن الميّت في القبر من قبيل الجمادات قطعا ، ولا حسّ ولا حركة له أصلا ولا يقدر على الإضرار أبدا ، ولكنّه مع ذلك متى صار عابرا ومجتازا في ظلمة الليل من بين القبور مع العلم الذي عرفت وجوده فيه ، يتصرّف الوهم فيه فيعرض له الاضطراب والخوف من أجساد الأموات ، كما أنّ الإنسان يعلم أنّ اللّه تعالى هو رازقه ، ومع ذلك إذا تأخّر رزقه يوما فيتصرّف

--> ( 1 ) البقرة 2 : 260 .