ابراهيم بن الحسين الحامدي

42

كنز الولد

وتمييز وفطنة في كون ذلك العالم الروحاني النير الكامل في ذاته « 1 » وظهورهم معا ، ولا إدراك له في كيفية وجودهم ، فهجمت به فكرته ، وقررت عنده فطنته ، أن لذلك العالم مبدعا أبدعه ، وموجدا أوجده بمشيئته وقدرته ، وإنّه لا يدرك ، ولا يحاط به ، ولا يشبه شيئا من صنعته ، وأنّه يعجز عن إدراكه ومعرفته ، إلّا بوجود ما أوجده من عدم لا أصل له فنفى عن الجميع من عالمه الإلهية ، وأثبتها للمتعالي سبحانه المحق الذي لا شبه له ولا ند ولا ضد ، ولا مثل ولا مثيل ، ولا شكل . فنطق بالشهادة مفصحا ، وأعلن بها مصرحا ، كما جاء في الذكر الحكيم في قوله : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » . فشهد له بالإلهية ، والعزّة ، والحكمة . وقد جاء عن الشخص الفاضل صاحب الرسائل في الرسالة الجامعة « 3 » قال : وأمّا الواحد الموصوف بالجلالة والعظمة المشار إليه بالوجود . وأنّه مبدأ كل موجود ، يقبل فيض الجود وإليه تنتهي الحدود ، فهو العقل الأول ومبدعة يجل عن صفة الواصفين ، ونعت الناعتين ، وإنّما يقال : هو لا إله إلّا هو إيمانا وتسليما . فهذا القول هو إثبات التوحيد ، ولذلك صار الأصل المعتمد عليه في كل شريعة ودين ، وذلك أن العقل الأول نفى عن ذاته الإلهية ، وأثبتها لمبدعه فقال : لا إله إلّا هو ، فوحد مبدعة وهو عقل ، بمعنى إثبات الوحدة المحضة بذلك ؛ لأن اتصال التأييد به متواتر لا يفنى ولا يزول ، بل متصل دائم أبدا ، وذلك بسبقه « 4 » ، ولذلك قال : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 5 » .

--> ( 1 ) ذاته : سقطت في ج وط . ( 2 ) سورة 3 / 18 . ( 3 ) النص مأخوذ من رسالة الجامعة الورقة 180 من النسخة الخطية الموجودة في مكتبتنا الخاصة . ( 4 ) لأنه السابق في الوجود ، والموجود الأول . ( 5 ) سورة 16 / 96 .