ابراهيم بن الحسين الحامدي

305

كنز الولد

بلادة وقذارة ، ومن حب الناس بغضا ، ومن مزار أهله وأقاربه في القرب منه بعدا ، ومن قدرته في كل أحواله ضعفا ، وذلك بانتفاخ جلده ممّا خرج عليه من البثور « 1 » . فسلوكه في ذلك سلوك أهل الويل وانطماس عينيه ومنافذ منخريه وحلقه ، وضيق نفسه ، وانقطاع مأكله عنه ، وتقيح « 2 » كل بدنه ، وتغير رائحته . فصار يريد أن يخاطب أهله وأعزته يشكو إليهم ما هو فيه ، فلا يمكن لفساد آلته ، واستيلاء علته ، وأن يستدعي ماء يشربه فلا يقدر ، لاستحالة أعضائه عن الإجابة ، فيتحسر عن تركه قبول أمر الطبيب ونبذه عظته له وراء ظهره ، ويندم عليه ، فيهم نفسه بقلة من القبول بعد أن تصبح له ، ولم يقدر وقد حصلت له ثمرة أفعاله يدب بها في مفاصله وعظامه ، وعروقه وأعضائه الألم ليله ونهاره ، ينام الناس وهو في الوجع يتقلب لا ينام ولا يفارقه ذلك ما دام أرض وسماء ، ولا يموت فيستريح ، ولا يبرأ من علته فيفيق ، يرفع طرفه فيرى الأصحاء في الغرف المنيفة عليه يطلعون ، فيتحسر على ما هو فيه ، فنعوذ باللّه . وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ « 3 » الآية . فهل يعادل هذه البلية بلية ؟ لا واللّه ، وإنّه لصائر إلى ما هو أشد « 4 » من مقاساة أذى الهوام والعقاب . وهذا الفصل أيضا حقق ما أشرنا إليه بقوله : يرفع طرفه فيرى الأصحاء في الغرف المنيفة عليه يطلعون . فأوجب أنّه في سلسلة العذاب ، فالأصحاء يعني به الجنس البشري في الغرف المنيفة عليه يطلعون لأنّه عارف بعلمه ، عارف بما هو فيه من التعب والنصب ، نادم على ما فرط . ولو لم يكن العذاب محسوسا ومعروفا ، ولم يكن له حقيقة ولا مضرة . والغرف المنيفة عليه التي هي أهل الصحة فيها ما يعاينهم فيه من النعم الدنياوية من

--> ( 1 ) البثور : الثبور في ط . ( 2 ) تقيح : تقبح في ط . ( 3 ) سورة 7 / 50 . ( 4 ) أشد : أشهد في ط .