ابراهيم بن الحسين الحامدي

280

كنز الولد

درجة الكمال الثاني ، فتصبح موجودة بعد أن كانت معدومة وباقية بعد أن كانت فانية ، وحسية بعد أن كانت ميتة ، ومحضة بعد أن كانت مشوبة . والذي أوردناه في كتابنا هذا هو من قبيل ما يفيدها التصوير بنقوش عالم الإبداع وحقائق الأمور في وجود ذاتها ، ويصلها بما يدوم بدوامه ، ويعطيها الضياء العقلي والنور الإلهي ، ويحرسها من الاستحالة والتغاير بارتفاعها عن سلطان الطبيعة واكتسابها بصورة الملائكة ، ويجري فيها بتصورها إياه وإحاطتها به من القيام بالفعل ونيل الأزل ، والسعادة القصوى والبركة الأولى ، ما جرى في مبادي الموجودات الإلهية . إلى قوله : والآخر الإمام الجامع للحدود ، والقائمين بحفظ الشريعة وبسط معالمها ونشر أعلامها ، والدعوة إلى العلم والعمل بها الذين بمكانهم وتعليمهم وجود الإنسان إنسانا ، الجارين من كمال نفس الإنسان بتأثيرهم فيها تعليما وهداية ، وبلوغها بها درجة الكمال ، ومنزلة العقول مجرى الملائكة الموكلين « 1 » بالعالم القائمين بالفعل ، وذلك مثل الإنسان في وجوده فإنّه أولا حين يوجد حياة ذات قدرة وهي كمال أول يسمى نفسا لكونها قائمة بالقوة وقائمة لقبول الكمال الثاني ، فلا تزال تقبل وتتعلم وتصطاد المعارف وتعمل حتى تنال درجة العقل فحينئذ لا تستحق أن يسمى بارتقائها إلى درجة الكمال سيما أنفس النطقاء التي لا تزال تنتهي بها الحال « بعد الحال « 2 » » إلى أن يشيع فيها نور الوحدة بإحاطتها بالذوات السابقة عليها ، واتصالها بها اتصالا كليا فيحصل لها الكمال ، فصار كمال ما كان متأخرا في الوجود في معرفة ما سبق عليه في الوجود ، واتصاله كالأنفس التي كمالها في الإحاطة بما سبق عليها في الوجود أجمع .

--> ( 1 ) الموكلين : المؤكلين في ط . ( 2 ) بعد الحال : سقطت في ج .