ابن رشد
72
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
البطروجي فحقق ذلك ، وصار كتابه المرجع المعتمد في موضوعه - بأوروبا - إلى أن ظهر كوبرنيك بنظريته التي أعلنت ميلاد علم الفلك الحديث . لنكتف بهذا الاستطراد حول المشروع الإصلاحي الرشدي ، في مجالات الدين والفلسفة والعلم ، فذلك ما سنعرض له بتفصيل في الكتاب الذي نعده بعنوان : " ابن رشد ، فكر وسلوك " . لقد كان غرضنا من إثارة الموضوع هنا هو إبراز جانب من الجوانب الأساسية التي لا بدّ من استحضارها لرسم الإطار الذي يندرج فيه الكتاب الذي بين أيدينا ، أعني ما عبر عنه ابن رشد ب " تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير " . فلنتتبع معه في هذا الكتاب ، باختصار ، عملية " التصحيح " هذه ، من خلال عرض موجز لبنيته ومضمونه . ثانيا : بنية الكتاب ومضمونه 1 - فرق محدثة وأقاويل مبتدعة يستهل ابن رشد كتابه هذا بالتذكير بما كان قد وعد به في " فصل المقال " من أنه ينوي تأليف كتاب خاص يكون موضوعه " الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها " ، وبيان جوانب الضعف والابتداع والانحراف في تأويلات المتكلمين بمختلف فرقهم ، وأشهرها في زمانه كما يقول أربعة : الأشعرية والمعتزلة والباطنية والحشوية . أما الحشوية فتتلخص دعواهم في قولهم : " إن طريق معرفة وجود الله تعالى هو السمع لا العقل " . بمعنى أن الإيمان بما جاء به الرسول وحده كاف ، وأن لامكان لإعمال العقل لإثبات وجود الله وصفاته الخ . . . تماما كما لامكان له في التعرف على أحوال المعاد الخ . . . فتلك كلها أمور " لا مدخل فيها للعقل " . ويرد ابن رشد على هذه الدعوى بكونها باطلة تتناقض مع القرآن نفسه الذي يدعو الناس إلى استعمال عقولهم للتعرف على وجود الله من خلال النظر في مخلوقاته ، وهذا في غير ما آية ( ف : 7 - 10 ) ، كما تتناقض وتتعارض مع الحكمة التي من أجلها خلق الله العقل للإنسان الخ . . .