ابن رشد
70
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
البحث العلمي والفلسفي ، حول طبيعة العالم ، أي حدوثه الذي بنوا وجهة نظرهم فيه على ما سموه " الجوهر الفرد " وما ألحقوا به من خصائص تطال عالم الإنسان ، هذا إضافة إلى إنكارهم " الضروريات العقلية " ، وفي مقدمتها : مبدأ " الهوية " ومبدأ السببية ، وفعل " الطبائع " - وهي المبادئ التي يقوم عليها العلم والفلسفة - مكرسين آراء في التجويز تقبل المحال من أي نوع كان . هذا مع سلبهم الإنسان حرية الإرادة والاختيار والقدرة على إتيان أفعاله ، جاعلين من " القضاء والقدر " ومن تجويزهم الجور والظلم على الله تعالى ، ما يجعل وجود الإنسان بلا معنى ، اللهم إلا ما يقولونه من " الابتلاء " ، ابتلاء الإنسان واختباره . من هنا يبدو كتاب ابن رشد أقرب ما يكون إلى مشاغل عصرنا ، إلى حال العقل العربي " المعاصر " الذي ما زالت تتحكم في كثير من حامليه تلك التصورات التي قررها المتكلمون حول الطبيعة والإنسان وعلاقة الله بهما والتي رآها ابن رشد بالأمس أبعد ما تكون عن الحقائق العلمية الفلسفية بعدها عن مقصد الشرع ومن الغاية توخاها من الدين . يتصدى ابن رشد إذن للرد على كل ذلك ، مدافعا بقوة وإخلاص عن العلم والحرية وأيضا وبشكل لم يسبق إليه ، على قضايا الدين الخاصة كالنبوة وكمال الشريعة الإسلامية قياسا على ما تقدمها من شرائع ، مناقشا قضية الحرية الإنسانية ومسألة القضاء والقدر ومسألة السببية وما نسميه اليوم بالحتمية ، مناقشة علمية عميقة أقرب إلى الفكر الحديث ، خاصة نظرية " تلاقي سلاسل الأسباب " التي فسر بها كورنو مسألة الحتمية . * * * لم تكن مناقشة ابن رشد لآراء الأشعرية من جنس ردود المتكلمين بعضهم على بعض ، بل لقد انفصل فيلسوف قرطبة ، وبوعي ومسؤولية ، عن أقاويل المتكلمين ، متجنبا بالانخراط في إشكالياتهم الكلامية ، جاعلا نصب عينيه ، ليس الرد على المخالفين ، كما هو شأن المتكلمين ، بل القيام بإصلاح ديني فلسفي وعلمي في آن واحد : - إصلاح ديني هدفه ، كما عبر هو نفسه : " تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير " « 3 » . والرجوع بها إلى " الظاهر من العقائد التي قصد الشرع
--> ( 3 ) ابن رشد . شرح كتاب " السماء والعالم " . مخطوط مبتور بالمكتبة الوطنية بتونس رقم : 18118 .