ابن رشد
61
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
[ 7 ] - " أما الاستدلال على ذلك بطريقة المتكلمين من الأشعريين ، إن كانت من طرق العلم الصحيحة ، فلا يؤمن من العيب على صاحبها ، ولا الانقطاع على سالكها ، ولذلك تركه السلف المتقدم من أئمة الصحابة والتابعين ، ولم يعولوا عليه لا لعجزهم عنه ، فقد كانوا ذوي عقول وافرة وأفهام ثاقبة ، ولم يأت آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها . [ 8 ] - " فمن الحق الواجب على من ولاه الله أمر المسلمين أن ينهي العامة والمبتدءين عن قراءة مذاهب المتكلمين الأشعريين ، ويمنعهم من ذلك غاية المنع ، مخافة أن تنبو أفهامهم عن فهمها فيضلوا بقراءتها . [ 9 ] - " ويأمرهم أن يقتصروا فيما يلزمهم اعتقاده على الاستدلال الذي نطق به القرآن ، ونبه الله عليه عباده في محكم التنزيل إذ هو أبين وأوضح لائح ، يدرك ببديهة العقل بأيسر تأمل في الحين ، فيبادروا بعد إلى العلم بما يلزمهم التفقه فيه من أحكام الوضوء والصلاة والزكاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام ومعرفة الحلال في المكاسب من الحرام . [ 10 ] - " وأما من شدا في الطلب وله حظ وافر من الفهم فمن الحظ له أن يقرأها إذا وجد إماما فيها يفتح عليه مغلقها لأنه يزداد بقراءتها والوقوف عليها بصيرة في اعتقاده ، ويعرف بذلك وجه الكمال في العلم ويدخل في الصنف الذي عناهم النبي ( ص ) بقوله : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين " . [ 11 ] - " هذا الواجب فيما سألت عنه ، لا ما حكيت عن الطائفة المذكورة من أنه يتعين على العالم والجاهل قراءة مذاهب المتكلمين من الأشعريين ، والبداية بذلك قبل تعلم ما يفهم به أمر دينه من وضوئه وصلاته وسائر العبادات المفترضة عليهم ويكفر من خالف ذلك . [ 12 ] - " وما الكفر إلا في اعتقاد ما ذهبوا إليه من ذلك لأنهم إذا لم يصلوا ولا صاموا ولا حجوا حتى يعرفوا الله تعالى من تلك الطرق الغامضة البعيدة ، قد لا يصلون إلى معرفته من تلك الطريق إلا بعد المدة الطويلة ، أو تنبو أفهامهم عنها جملة فيمرقون عن الدين ، ويخرجون من جملة المسلمين .