ابن رشد
59
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
فكان الذي أجابه : [ 1 ] - " سؤالك هذا وقفت عليه . وما ذكرت فيه عن الطائفة من أهل الكلام بعلم الأصول على مذهب الأشعرية من أنه لا يكمل الإيمان إلا به ، ولا يصح الإسلام إلا باستعماله ومطالعته لا يقوله أحد من أئمتهم ، ولا يتأوله عليهم إلا جاهل غبي ، إذ لو كان الإيمان لا يكمل والإسلام لا يصح إلا بالنظر والاستدلال من طريق العقل على القوانين التي رتبها أهل الكلام على مذهب الأشعرية ، والمناهج التي نهجوها على أصولهم ، من وجود الأعراض بالجواهر واستحالة بقائها فيها وما أشبه ذلك من أدلة العقول التي يستدلون بها ، لبين ذلك النبي ( ص ) للناس وبلغه ليهم كما أمره الله تعالى في كتابه حيث يقول : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » ( المائدة 67 ) . [ 2 ] - " فكما بينا أنه ( ص ) لم يدع الناس في أمر التوحيد ، وما يجب عليهم من الاعتقاد فيه ، إلى الاستدلال بالأعراض وتعلقها بالجواهر ، ولا أن أحدا من أصحابه تكلم بذلك ، إذ لم يرو عنه ( ص ) ، ولا عن واحد منهم كلمة واحدة فما فوقها من هذا النمط من الكلام من طريق تواتر ولا آحاد من وجه صحيح ولا مستقيم . [ 3 ] - " على أنه ( ص ) وهم ، رضي الله عنهم ، عدلوا عنه إلى ما هو أولى وأبين ، وأجلى وأقرب إلى الأفهام ، لسبقه إليها بأوائل العقول وبدائهها ، وهو ما أمر من الاعتبار بمخلوقاته في غير ما آية من كتابه ، إذ لم يمت ( ص ) حتى بين للناس ما نزل إليهم ، وبلغ إليهم ما أمر ببيانه لهم ، وتبليغه إليهم ، فقال ( ص ) في خطبة الوداع ، وهو في مقامات له شتى بحضرة عامة أصحابه : " ألا هل بلغت " ؟ فكان الذي أنزل الله من الوحي ، وأمر بتبليغه هو كمال الدين وتمامه لقوله تعالى : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي » ( المائدة 3 ) . [ 4 ] - " فلا حاجة بأحد في إثبات التوحيد وما يجب لله من الصفات ، ويجوز عليه منها ، ويستحيل بها ، إلى سوى ما أنزله في كتابه ، وبينه على لسان رسوله ( ص ) من الآيات التي نبه عليها ، وأمر بالاعتبار بها . من ذلك قوله عز وجل : « وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » ، إشارة إلى ما فيها من آثار الصنعة ، ولطيف الحكمة