ابن رشد

51

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

" وأما الركن الثاني وهو الكلام في حدوث العالم : [ 2 ] - " فقد أجمعوا على أن العالم : كل شيء هو غير الله عز وجل ، وعلى أن كل ما هو غير الله تعالى وغير صفاته الأزلية مخلوق مصنوع . [ 3 ] - " وعلى أن صانعه ليس بمخلوق ولا مصنوع ، ولا هو من جنس العالم ولا جنس شيء من أجزاء العالم . [ 4 ] - " وأجمعوا على أن أجزاء العالم قسمان : جواهر وأعراض ، خلاف قول نفاة الأعراض في نفيها للأعراض . « 4 » [ 5 ] - " وأجمعوا على أن كل جوهر جزء لا يتجزأ ، وأكفروا النظّام « 5 » والفلاسفة الذين قالوا بانقسام كل جزء إلى أجزاء بلا نهاية ، لأن هذا يقتضي ألا تكون أجزاؤها محصورة عند الله تعالى ، وفي هذا رد قوله : « وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً » ( الجن 28 ) . [ 6 ] - " وقالوا بإثبات الملائكة والجن والشياطين في أجناس حيوانات العالم ، وأكفروا من أنكرهم من الفلاسفة والباطنية . [ 7 ] - " وقالوا بتجانس الجواهر والأجسام ، وقالوا إن اختلافها في الصور والألوان والطعوم والروائح إنما هو لاختلاف الأعراض القائمة بها . [ 8 ] - " وضللوا من قال باختلاف الأجسام لاختلاف الطبائع . [ 9 ] - " وضللوا أيضا من قال من الفلاسفة بخمس طبائع ، وزعم أن الفلك طبيعة خامسة لا تقبل الكون والفساد « 6 » كما ذهب إليه أرسطو طاليس . [ 10 ] - " وضللوا من قال من الثنوية إن الأجسام نوعان : نور وظلمة ، وأن

--> ( 4 ) من المتكلمين من ينفي وجود الأعراض ويرى أنه ليس هناك إلا الأجسام وصفاتها . والأشاعرة يثبتون الأعراض ، دليلهم أن الجسم يتحرك بعد سكون ويسكن بعد حركة ، ولا بدّ أن يكون ذلك لعلة هي الحركة ويسمونها عرضا . ومثل ذلك يقولون في باقي الأعراض كالألوان والطعوم والتأليف والحياة والعلم والجهل الخ . . . والأعراض سميت كذلك لأنها تعرض للجسم وتزول ، وبالتالي فهي حادثة . وبما أن الجسم لا ينفك عن الأعراض فلا بد أن يكون حادثا مثلها ، فالأجسام إذن حادثة والعالم مؤلف من أجسام ، وإذن فهو حادث . وهم إنما يثبتون الأعراض من أجل هذه النتيجة : إثبات حدوث العالم . ونفاة الأعراض هم : " الأصم من المعتزلة وطوائف من الدهرية والسمنية كلها زعموا أن المتحرك متحرك لا بحركة ، والأسود أسود لا بسواد يقوم به " . ( 5 ) هو إبراهيم بن سيار النظام أحد كبار المعتزلة تتلمذ على أبي الهذيل العلاف وخالفه في مسائل ، وهو أستاذ الجاحظ في الاعتزال . ( 6 ) يقول أرسطو بالأثير كطبيعة خامسة ، ومنه يتكون الجسم السماوي وهو لا يفسد ولا يفنى ، أما الأجسام الأرضية فتتألف من العناصر الأربعة : التراب والماء والهواء والنار .