ابن رشد

33

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

تكن قبل الفتح الإسلامي من الازدهار والقوة بحيث تستطيع فرض وجودها داخل ثقافة الفاتح . ذلك ما لاحظه أحد الأعلام الذين أنجبتهم قرطبة ، صاعد الأندلسي ، الذي أبرز ، في سياق تأريخه للثقافة والفكر لدى الأمم السابقة على الإسلام ولدى الأمة الإسلامية مشرقا ومغربا ، كيف أن الأندلس كانت " في الزمن القديم خالية من العلم لم يشتهر عند أهلها أحد بالاعتناء به " ، وأنها " لم تزل على ذلك عاطلة من الحكمة ( - الفلسفة ) إلى أن افتتحها المسلمون في شهر رمضان سنة اثنتين وتسعين من الهجرة ، فتمادت على ذلك أيضا لا يعنى أهلها بشيء من العلوم إلا علوم الشريعة وعلم اللغة إلى أن توطد الملك لبني أمية ، بعد عهد أهلها بالفتنة ، فتحرك ذوو الهمة منهم لطلب العلم " . « 26 » وكان ذلك على عهد عبد الرحمن الناصر ( 300 ه 912 م / 350 ه 962 م ) الذي جعل من " إمارة بني مروان " في الأندلس خلافة أموية ثانية تنافس الخلافة العباسية والخلافة الفاطمية وتنازعهما الشرعية . ومن هنا ثاني العوامل التي جعلت التطور الثقافي في المغرب والأندلس يستقل بمساره عن مثيله في المشرق : استقلال المغرب والأندلس عن الخلافة العباسية ودخولهما معها ، ثم مع الخلافة الفاطمية ، في صراع سياسي إيديولوجي ومنافسة ثقافية واسعة . ولا بد من التأكيد هنا على أن الأندلس وبلاد المغرب عموما قد ظلت منذ الفتح الإسلامي تتحرك ثقافيا في دائرة إسلام الفاتحين الأول ، إسلام الصحابة والتابعين الذي يعتمد الرواية والنقل أساسا في اكتساب المعرفة ، سواء في مجال الدين واللغة أو في غيرهما من المجالات ، وذلك على العكس مما حدث في المشرق حيث تعددت المذاهب في الفقه والنحو والكلام . وإذا كانت بعض التيارات السياسية والفكرية المتصارعة في المشرق قد ترددت لها أصداء في المغرب والأندلس ، إما عن طريق " الدعاة " أو من خلال الرحلة إلى المشرق ، قصد الحج أو الدراسة أو التجارة ، فإن أيا منها لم يتمكن من اكتساح الساحة ولا من فرض نوع ما من الهيمنة . بل لقد بقيت هذه التيارات الوافدة هامشية وظرفية . وما تمكن منها من الصمود ظل محصورا ومحاصرا ضمن حدود ضيقة . ذلك كان حال حركة المعتزلة ، دعاة واصل بن عطاء ، في شمال المغرب الذين سبقت الإشارة إليهم ، وتلك أيضا كانت حال التيار الذي ظهر في الأندلس في القرن الثالث متأثرا بآراء الجاحظ الاعتزالية . أما التيارات الباطنية التي تمكنت من احتلال بعض المواقع فإنها لم تتمكن من الصمود والتوسع والانتشار لا في

--> ( 26 ) أبو القاسم صاعد بن أحمد الأندلسي . طبقات الأمم . مطبعة التقدم الحديثة . القاهرة . د . ت .