ابن رشد
23
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
يصير جزءا لا يتجزأ أم لا يجوز ذلك ؟ فقال أبو الهذيل : إن الجسم يجوز أن يفرقه الله سبحانه ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءا لا يتجزأ . « 14 » غير أن فكرة الجزء الذي لا يتجزأ ، إذا صح أنها أثيرت أول الأمر مع أبي الهذيل العلاف لإثبات إحاطة علم الله بكل شيء ، وقدرته على إبطال الاجتماع والاتصال في الأجسام حتى تصير أجزاء لا تتجزأ ، فإنها سرعان ما وظفت ، وعلى نطاق واسع ، في القضية الأساسية في علم الكلام ، قضية " حدوث العالم " التي اتخذ منها المتكلمون مقدمتهم الضرورية لإثبات وجود الله ووحدانيته ومخالفته لكل المخلوقات . وطريقتهم في الاستدلال على ذلك كما يلي : يقولون إن القسمة العقلية تقتضي أن العالم إما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا ، ولما كان العالم عبارة عن أجسام ، وكانت الأجسام مؤلفة من أجزاء فإن الحكم على العالم بالقدم أو بالحدوث يتوقف على تحديد طبيعة تلك الأجزاء . وهم يقولون إنها لا تتجزأ إلى ما لا نهاية له ، بل لا بد أن تقف فيها التجزئة عند حد معين أي عند جزء لا يقبل التجزئة ، سموه بالجوهر الفرد . دليلهم على ذلك أن المشاهدة تدلنا على أن بعض الأجسام أكبر من بعض ، فلو كانت تقبل القسمة إلى ما لا نهاية له لكان عدد أجزاء الجسم الصغير ، كالنملة ، مساويا لعدد أجزاء الجسم الكبير ، كالفيل ، ولكان الجسمان بالتالي ( النملة والفيل ) متساويين في المقدار ، وهذا خلاف المشاهد . وإذن فلا بد أن تكون الأجسام مؤلفة من عدد محدود من الأجزاء حتى يمكن أن يكون بعضها أكبر من بعض كما هي في الواقع . هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فلما كانت الأجسام تعتريها أعراض ضرورة ، إذ لا بد في كل جسم من لون وطعم وشكل وحركة وسكون . . . الخ ، فإن الجواهر الفردة التي تتألف منها الأجسام لا بد أن تعتريها نفس الأعراض ، وإلا فكيف يمكن أن يكون الجسم على حالة ( باردا مثلا ) وتكون أجزاؤه على غير تلك الحالة ( غير بارد ) ؟ وإذن فالأجسام ، وبالتالي العالم كله ، جواهر وأعراض . وبما أن الأعراض تتغير باستمرار ، فالمتحرك يسكن والساكن يتحرك والألوان تتغير وتتجدد الخ ، فهي حادثة . وبما أن الجواهر لا تنفك من الأعراض ولا تسبقها في الوجود ، إذ لا يتصور وجود جوهر بدون أعراض ، فهي حادثة مثلها ، وإذن : الأجسام حادثة . وبما أن العالم كله مؤلف من أجسام فهو حادث كذلك .
--> ( 14 ) أبو الحسن الأشعري . مقالات الإسلاميين . ج 2 . ص 7 .