ابن رشد

20

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

من لدن واصل مرتبة تسجل معها تحولا جذريا أو نقلة نوعية ، لا على صعيد المنهج ولا على صعيد الرؤية ، كما سيحصل مع لحظة أبي الهذيل العلاف . سيحدث هذا التحول على صعيد المفاهيم والمرجعية عندما يتحول النقاش والجدال من نقاش شفهي يمارسه متكلم مع متكلم آخر ، حاضر أمامه ، وبواسطة الكلمة المسموعة ، إلى ردود ومناقشات كتابية تمارس بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع متكلمين غائبين تنوب عنهم الكلمة المكتوبة . لقد كان العصر العباسي الأول عصر " الكلام " مع المخالفين من مانوية وغيرهم ، وكان أيضا عصر الترجمة والاقتباس والرد ، فكان لا بدّ أن ينتقل علم الكلام مع هذا التطور ( من الشفهي إلى الكتابي ) إلى لحظة أخرى في تاريخه ، لحظة كانت الشخصية المؤسسة فيها هي أبو الهذيل العلاف . 5 - أبو الهذيل العلاف : المنظم للمذهب . . . تجمع كتب الفرق على أن أبا الهذيل العلاف ( 131 - 235 ه ) كان المنظم لمذهب المعتزلة ، المنافح عنه ، فهو : " شيخ المعتزلة ومقدم الطريقة والمناظر عليها " « 9 » . وأيضا : " لم يدرك في أهل الجدل مثله وهو أبوهم وأستاذهم " . « 10 » درس بالبصرة وأخذ الاعتزال عن أحد تلامذة واصل بن عطاء ، وتعرف على المذهب المانوي وجادل أهله ، وطالع كتب الفلاسفة إذ عاش في عصر ازدهار الترجمة . يذكر له بعض مؤرخي الفرق نحوا من ستين كتابا في الرد على المخالفين في دقيق الكلام وجليله ، ويرتفع بها بعضهم إلى ألف ومائتين . . . ولا بد هنا من تسجيل ملاحظتين : أولاهما أن التمييز بين دقيق الكلام وجليله إنما صار ممكنا بعد أن ألف أبو الهذيل في " الجوهر الفرد " ، أي الجزء الذي لا يتجزأ ، وهو محور ما نسميه هنا ب " الفيزياء الكلامية " ، أعني الآراء التي صاغها المتكلمون في " الطبيعة " وظواهرها بقصد الاستدلال ، انطلاقا منها ، على صحة أقاويلهم في " جليل الكلام " ( - الله ذاته وصفاته وأفعاله ) . وسنرى كيف أن أبا الهذيل العلاف قد دشن الكلام في الجوهر الفرد الذي صار أساس المقدمات " العقلية " التي يثبت بها المتكلمون وجهات نظرهم في العقيدة . أما الملاحظة الثانية فهي انصراف أبي الهذيل ومعاصريه وتلامذته إلى " الرد على المخالفين " من أهل الديانات الأخرى خاصة منها المثنوية أي التي تقول بإلهين

--> ( 9 ) الشهرستاني . المرجع نفسه . ج 1 . ص 49 . ( 10 ) الملطي . المرجع نفسه . ص 45 .